كل عصر على سبيل الجمع ، وإن من خصص أهل كل عصر بتناول القول
له كمن خص فرقة من أهل العصر ويبطل هذا الوجه أيضا بأن الذاهب
إليه مقترح ما لا يقتضيه اللفظ ، ولا توجبه الحجة ، ولو قيل له : من أين
لك أن لفظة ( أمتي ) تختص المؤمنين ومن كان للثواب مستحقا دون
غيرهم ؟ لم يجد متعلقا ولا فرق بين من اقترح هذا التأويل وبين من حمل
اللفظ على بعض من الأمة ، أو من المؤمنين مخصوص ، وليس يمكن في
هذا الخبر ما أمكن في الآيات المتقدمة من قولهم : إن الكلام يقتضي المدح
فلا بد من إخراج من لا يستحقه من جملته ، وتبقية من عداهم ، لأنه
ليس في نفي الاجتماع على الخطأ عنهم دلالة على مدح وتعظيم ، لأنه قد
يجوز أن يعلم من حال جميعهم لأنهم لا يختارون الاجتماع على الخطأ ،
وإن كان كل واحد منهم يفعله متفردا به ، ولا شبهة في أن هذا لا يقتضي
مدحا ، وقد روي معنى هذا الخبر بلفظ آخر وهو ( لم يكن الله ليجمع أمتي
على ضلال ) وهذا صحيح غير مدفوع ، وهو يدل على أنهم لا يختارون
الاجماع على الضلال من قبل أنفسهم .
فأما ما رواه من قوله " لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق " ( 1 ) فما قدمناه يبطل الاستدلال به على أن الظهور على الأمر في اللغة
هو الاطلاع عليه ، والعلم به ، وليس يفيد التمسك به ، ونفي فعل ما
يخالفه ، لأنه قد يظهر على الحق ويعلمه من لا يعمل به ، فكان الخبر
يفيد أن طائفة من الأمة لا بد من أن تكون ظاهرة على الحق ، بمعنى
مطلعة عليه ، عالمة به ، وهذا لا يمنع من اجتماع الأمة على فعل الخطأ .
هامش
( 1 ) المغني 17 / 180 ورواه كثير من المحدثين كالبخاري في صحيحة 8 / 149
كتاب الاعتصام والتوحيد و 8 / 189 المناقب . ومسلم في كتاب الإيمان ح 156 وعقد له
بابا في كتاب الأمارة . وانظر المغني 17 / 180 و 181 .