المناخ السياسي الذي نشأت فيه نظرية عدالة كل الصحابة
بعد مقتل الفاروق آلت الأمور إلى عثمان بن عفان ، وهو بطبعه مولع بحب
أقاربه . وبتولية عثمان بدأ بنو أمية ينزون حوله واحدا بعد الآخر ، وبدأ هو بتجميعهم
حتى أصبحوا رجال الخليفة ومستشاريه ، وأصبحت مقاليد الأمور عمليا بيد مروان بن
الحكم . حتى أن مروان أمر بقتل محمد بن أبي بكر وطائفة من الصحابة دون أن
يستشير الخليفة حتى مجرد استشارة ، وختم الأمر بخاتم الخليفة والخليفة لا يدري ،
وبتعبير علي عليه السلام صار عثمان سيفه بيد مروان يسوقه حيث شاء بعد كبر السن
وصحبته الرسول ( 1 ) .
وما أدراك ما مروان ؟ إنه طليق ، ومن المؤلفة قلوبهم ، وأبوه الحكم بن
العاص كان محرما عليه أن يدخل المدينة في زمن الرسول ( ص ) وفي زمن أبي بكر
وعمر . وعندما تولى عثمان أدخله معززا مكرما وأعطاه مائة ألف درهم . ومما ساعد
حزب الطلقاء أيضا على تكوين دولتهم عبد الله بن أبي سرح والي مصر بكل خيراتها .
وما أدراك ما عبد الله بن أبي سرح ؟ إنه الذي افترى على الله الكذب ، وأباح الرسول
دمه حتى ولو تعلق بأستار الكعبة - كما يروي صاحب السيرة الحلبية في باب فتح
مكة - وجاء به عثمان يوم الفتح يطلب الأمان له ، وسكت الرسول على أمل أن يقتل
عبد الله خلال فترة سكوته ، ولما لم يقتل أعطاه الأمان . والغرسة التي زرعت في
زمن أبي بكر ، وهي معاوية ، ضربت جذورها في الأرض ، فقد ضل واليا على الشام
عشرين عاما يجمع كما يشاء عمليا ويعطي كما يشاء .
مروان الطليق ، ومعاوية الطليق ، وعبد الله بن أبي سرح الطليق ، والوليد بن
عقبة الطليق أيضا صلى الصبح أربعا ووالي الكوفة ، كلهم على مدرسة أبي سفيان
حتى أن أبا سفيان حاول أن يخرج عثمان من مدرسته فقال يوما لعثمان : روى
الجوهري أنه لما بويع لعثمان قال أبو سفيان : كان الأمر في تيم وأنى لتيم هذا الأمر ،
ثم صارت لعدي فأبعد وأبعد ، ثم رجعت لمنازلها واستقر الأمر قراره فتلقفوها تلقف
هامش
( 1 ) راجع تاريخ ابن الأثير وراجع تاريخ الطبري باب مقتل عثمان وراجع كتابنا النظام السياسي
في الإسلام ص 175 وما فوق .