فأعطاه إياه .
[ 1167 ] وكان إذا انقضى الشتاء تصدق بكسوته في الشتاء ، وإذا انقضى
الصيف تصدق بكسوته في الصيف . وكان يلبس من خير الثياب .
فقيل له : تعطيها من لا يعرف بقيمتها ولا يليق به لباسها ، فلو بعتها
وتصدقت بثمنها .
فقال عليه السلام : اني لأكره أن أبيع ثوبا صليت فيه .
[ انقطاعه إلى الله ]
[ 1168 ] وكان إذا وقف في الصلاة لم يشتغل بغيرها ولم يسمع شيئا لشغله
بالصلاة . وسقط بعض ولده في بعض الليالي ، فانكسرت يده ، فصاح
أهل الدار ، وأتاهم الجيران ، وجئ بالمجبر [ فجبر الصبي ] وهو يصيح
من الألم ، وكل ذلك لا يسمعه .
فلما أصبح رأى يد الصبي مربوطة إلى عنقه ، فقال : ما هذا ؟
فأخبروه .
[ فرزدق وقصيدته ]
[ 1169 ] وكان عليه السلام ورعا حليما وقورا جميلا ، وحج في بعض
السنين فجعل الناس ينظرون إلى جماله وكماله . ويقول من لم يعرفه
لمن عسى أن يعرفه ، من هذا ؟ ! ليخبروه . قال قائل من الناس
لفرزدق ( 1 ) من هذا ؟
هامش
( 1 ) وهو همام بن غالب بن صعصعة ، وأمه : ليلى بنت عابس ، قيل إنه ولد سنة 10 ه . دخل أبوه
على أمير المؤمنين في البصرة ومعه ابنه فرزدق ، فأخبره أنه يقول الشعر . وكان له أخ وهو هميم بن غالب
وأخت جعثن وكانت امرأة صدق ، وكان جرير يذكرها في مهاجاته لفرزدق ، وكان يقول : أستغفر الله فيما
قلت لجعثن . تزوج ابنة عمه ، النوار بنت أعين بن صعصعة . توفي سنة 110 ه عن عمر يناهز المائة سنة .
ودفن في مقابر البصرة .
وأما القصيدة فمؤلفة من 28 بيتا ذكرها عبد الوهاب المكي في طبقات الشافعية الكبرى 1 / 153 .
وقال ابن شهرآشوب في المناقب 4 / 169 : إنها مؤلفة من 41 بيتا وذكر تمام القصيدة . وكذا في حلية
الأبرار 2 / 50 ، وفي مجمع فنون الشعر ص 70 ط حجر 1335 : عدها 40 بيتا .
المناسبة : لما حج هشام بن عبد الملك ، فلم يقدر على استلام الحجر من الزحام ، فنصب له منبر ، وجلس
عليه ، وأطاف به أهل الشام . فبينما هو كذلك ، إذ أقبل علي بن الحسين عليه السلام وعليه ازار ورداء من
أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز ، فجعل يطوف ، فإذا بلغ موضع
الحجر تنحى الناس حتى يستلمه هيبة . فقال له شامي : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أعرفه ! لئلا
يرغب فيه أهل الشام . فقال الفرزدق : أنا أعرفه ( وكان حاضرا ) . فقال الشامي : من هو ، يا أبا
الفراس ؟ فأنشأ القصيدة التي مطلعها :
يا سائلي أين حل الجود والكرم * عندي بيان إذا طلابه قدموا
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
إلى آخر الأبيات .
فغضب هشام ومنع جائزته ، وقال : ألا قلت فينا مثلها ، فحبسه بعسفان ( بين مكة والمدينة ) فبلغ ذلك
علي بن الحسين فبعث إليه باثني عشر ألف درهم ، وقال : اعذرنا يا أبا فراس . فلو كان عندنا أكثر من
هذه لوصلناك به ، فردها ، وقال : يا بن رسول الله ما قلت هذا الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله ، وما كنت
لارزأ عليه شيئا ، فردها عليه . فقال له علي بن الحسين عليه السلام : بحقي عليك لما قبلتها ، فقد رأى الله
مكانك وعلم نيتك ، فقبلها . فجعل فرزدق يهجو هشاما ، وهو في الحبس ، فكان مما جاء به قوله :
أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء تبدو عيونها
فأخبر هشام بذلك فأطلقه . وفي رواية أبي بكر العلاف : أنه أخرجه إلى البصرة .