تعد مرحلة السقيفة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) مرحلة سيادة الخط القبلي على
واقع المسلمين . فقد أخذ هذا الخط امتداده وشرعيته من تلك المرحلة متسترا بستار
الشورى . .
إن الراصد لما دار في السقيفة يتبين له بوضوح أن الأمر كان أبعد ما يكون عن
الشورى وإنما هو في الحقيقة أشبه بالانقلاب على خط واضح الملامح وضع أسسه
الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .
ومن السذاجة تصور أن معاوية حمل راية المواجهة ضد الإمام دون أن يستند
إلى ركائز ثابتة تؤهله برفع هذه الراية . وهذه الركائز إنما كانت تقوم على أساس
الواقع القبلي الذي فرض في مرحلة السقيفة واستمر حتى عصر الإمام علي . .
كلمة التاريخ :
يروي شهاب الدين النويري أحداث السقيفة قائلا : وكان من خبر سقيفة بني
ساعدة أنه لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة
وقالوا : نولي هذا الأمر بعد رسول الله سعد ابن عبادة . وأخرجوا سعد إليهم وهو
مريض . فلما اجتمعوا قال سعد لأبيه أو لبعض بني عمه : إني لا أقدر أشكو أي
أن أسمع القوم كلهم كلامي . ولكن تلق مني قولي فاسمعوه . فكان سعد يتكلم
ويحفظ الرجل قوله فيرفع به صوته . فيسمع أصحابه . فقال بعد أن حمد الله
وأثنى عليه : يا معشر الأنصار . إن لكم سابقة في الدين . وفضيلة في الإسلام
ليست لقبيلة من العرب . إن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم
إلى عباده الرحمن وخلع الأوثان . فما آمن به من قومه إلا رجال قليل . والله
ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله . ولا أن يعزوا دينه . ولا أن يدفعوا عن
أنفسهم فيما عموا به . حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة . وخصكم
بالنعمة ورزقكم الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه . والإعزاز له ولدينه
والجهاد لأعدائه . فكنتم أشد الناس على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب
لأمر الله طوعا وكرها . وأعطى البعيد المفادة صاغرا داخرا وحتى أثخن الله
السيف والسياسة — صفحة 49
مساهمون: صالح الورداني
ص٤٩