باعتبار ما ذكرناه نظرية واستدلالية ، وكان النظر واجبا لوجوبها ، وهي على
التحقيق أول الواجبات ، فيكون ما هو وصلة إليها وسبب فيها كذلك ( 1 ) لأن ما
عدا النظر من جميع الواجبات العقلية والسمعية قد يخلو المكلف منها إما وجوبا
أو جوازا ، أو لا يخلو من وجوبه عليه ، فكان أول الواجبات وصلة وترتيبا .
وإنما يجب عند حصول الخوف والرجاء ، وقد يحصل خوف المكلف بسبب
لا يتعدى عنه ، لتدبره ما هو عليه من أحواله ، وما هو فيه من النعم ظاهرا وباطنا ،
وبسبب خارج عنه ، لسماعه اختلاف العقلاء في المذاهب والآراء ، مع فقدهما
وفقد ما به يحصل كل واحد منهما ، لا بد من ورود الخاطر عليه ، وأولى ما كان كلاما
داخل سمعه متضمنا إخافته من إهمال النظر وحثه على استعماله ( 2 ) وتجويز الضرر
يقتضي وجوب الاحتراز منه ، معلوما كان أو مظنونا ، وذلك باعث على النظر
ومؤكد لوجوبه ، وهو مولد للعلم مع تكامل شروطه ، لكونه واقعا بحسبه وتابعا له ،
يقل بقلته ويكثر بكثرته ، فكان مسببا عنه ومتولدا من جهته ، ومن لم يولد نظره
العلم فلتقصير منه ، أما في النظر أو في المنظور فيه أو لأنه نظر في الشبهة لا في
الدليل ، والنظر فيها لا يولد شيئا ولا يفضي بصاحبه إلا إلى الجهل أو الشك ،
والجهل ليس مسببا ولا متولدا عن النظر ، لكونه نقيض العلم وضده ، لاستحالة
الجمع بين النقيضين .
والمنظور فيه لاكتساب المعرفة الواجبة ما خرج عن مقدور كل قادر
بقدرة ( 3 ) مما يختص سبحانه بالاقتدار عليه ، ومن الجائز في أصل العقل أن يخلو
هامش
1 - في " أ " : وسبب إليها فيها كذلك .
2 - في " أ " : وحقه على استعماله .
3 - في " ج " : مقدرة .