أقول : إنّ نبي العظمة لا يتكلم إلاّ عن وحي فما جاء في الرواية من الاستدلال يخالف ذلك الأصل بالكلية ، وذلك لأنّ حصيلة الاستدلال هو انّ تلك الأُمّة المفقودة مُسخت فأراً بشهادة اشتراك الفأر مع الإنسان في خصيصة ، وهي إذا وضع بين يدي الفأر لبن الشاة فتشربه وإذا وضع بين يديها لبن الإبل فلا تشربه .
وهذا النوع من الاستدلال لا يركن إليه إلاّ الإنسان المغفّل .
أوّلاً : انّ لازم ذلك انّه لم يكن للفأر أي وجود قبل مسخ هذه الأُمّة وإنّما خلقه سبحانه حينما مسخت تلك الأُمّة ، ولو قيل بوجودها قبله لبطل الاستدلال من رأس .
وثانياً : انّه لا مانع من أن يكون بين الإنسان وبعض أصناف الحيوان وجه اشتراك في بعض الأُمور ، فلا يدل ذلك على اشتقاق أحدهما من الآخر .
ولعمري انّ الجبين يندى من هذه الخرافة التي تسرّبت إلى كتب الحديث .
23 . أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت
أخرج مسلم عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه « صلى الله عليه وآله وسلم » لعمه :
قل لا إله إلاّ اللّه أشهد لك بها يوم القيامة ، قال : لولا أن تُعيِّرني قريش ، يقولون : إنّما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك ، فأنزل اللّه : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاء ) ( القصص / 56 ) .
وأخرج أيضاً عن يزيد بن كيسان ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه « صلى الله عليه وآله وسلم » لعمِّه عند الموت :
الحديث النبوي بين الرواية والدراية — صفحة 360
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٦٠