5
تمحيص السنّة النبوية
قد تبيّنت منزلة السنّة النبويّة ومكانتها ، فلا بدّ من إلفات نظر القارئ الكريم إلى أنّ تمتعها بهذه الدرجة من الأهمية ، مردّها إلى السنة الواقعية من قول النبي وفعله وتقريره لا كل ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة تلك النسبة .
وربما يقال : إنّ السنة النبوية وحي إلهي ، فما معنى تمحيص الوحي أوَ يصح لبشر خاطئ أن يمحِّص الحقّ المحض ؟ !
ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنة النبوية الواقعية فوق التمحيص ، ولكن النقطة الجديرة بالذكر هي انّ السنّة الواردة ، المتبلورة في الصحاح والمسانيد ، هي بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها ، وواقعها عن زائفها ، فليس كلّ من ينقل عن لسان النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » بثقة ، وعلى فرض كونه ثقة فليس بمصون عن الخطأ والنسيان .
فتمحيص السنة ليس لغاية التشكيك فيها ، وإنّما يُطلب من وراء ذلك ، إحقاق الحقّ وإبطال الباطل ولا ينبغي إضفاء طابع القداسة والصحة على كتاب غير كتاب اللّه سبحانه ، وغيره - وإن بلغ من الإتقان بمكان - خاضع للتمحيص والإمعان والبحث في السند والمتن .
وثمة كلام قيم للإمام أبي حنيفة بيّن فيه انّ تكذيب الحديث لا يلازم تكذيب النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » وإنّما يراد به تكذيب الراوي ، قال :
الحديث النبوي بين الرواية والدراية — صفحة 35
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٥