فانزل الدنيا بمنزلة الميتة ، وخذ منها ما يكفيك ، فإن كان ذلك حلالا كنت
قد زهدت فيها ، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر ، فأخذت كما أخذت من
الميتة ، وإن كان العتاب فإن العتاب يسير .
واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
وإذا أردت عزا بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان ، فأخرج من ذل معصية
الله إلى عز طاعة الله عز وجل ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة
فأصحب من إذا صحبته زانك وإذا خدمته صانك ، وإذا أردت منه معونة
عانك ، وإن قلت صدق قولك ، وإن صلت شد صولك ، وإن مددت يدك
بفضل مدها ، وإن بدت منك ثلمة سدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ،
وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه ابتداك ، وإن نزلت بك إحدى الملمات
واساك ، من لا تأتيك منه البوائق ، ولا تختلف عليك منه الطرائق ،
ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن تنازعتما منقسما أثرك .
ثم انقطع نفسه صلوات الله عليه وآله واصفر لونه حتى خشيت عليه ،
شرح
إن سفراء الله سبحانه في الأرض يقفون أنفسهم لمرضاته في كل حركة وسكون ،
وأخذ وعطاء ، وصحة ومرض وما إلى ذلك ، فإنهم من الله والى الله ، ولذا نراهم
مستعدين للارشاد والاسعاد حتى في أحرج الساعات وأحلك الأوقات ، وقد اغتنم
الإمام الحسن عليه السلام هذه الفرصة عندما طلب منه جنادة وهو في آخر ساعة
من أيام حياته أن يلقى عليه كلمته المسجدية التي تشتمل على جوامع الحكم ، وقد
قدرت الدنيا كلمته تلك ولم تزل يرن صداها إلى هذا اليوم بعد أربعة عشر قرنا
والى يوم يبعثون .