ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة ، معتمدين على الأصلين الكتاب والسنة ،
مستظهرين بأقوال السلف على فهم ما فيها من غير تقليد ، فقد نهى إمامنا الشافعي ( رضي الله عنه )
عن تقليده وتقليد غيره . وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين ، فكل صنف على ما
رأى ، وتعقب بعضهم بعضا ، مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة ، وترجيح الراجح
من أقوال السلف المختلفة ، ولم يزل الأمر على ما وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة ،
ثم استظهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها . . . وإنما وضع الشافعي وغيره من الأئمة
الكتب إرشادا للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا ، لا أنهم أرادوا تقليدهم
ونصرة أقوالهم كيفما كانت ، فقد صح أن الشافعي ( رضي الله عنه ) نهى عن تقليد غيره " ( 1 ) .
وقد جعل أبو شامة الشافعي في كتابه مختصر المؤمل عنوان في : " نصوص الأئمة في
الرجوع إلى الكتاب والسنة والنهي عن تقليدهم " ( 2 ) .
وقد تحدث أبو شامة عن العلماء في عصره وتقصيرهم ، وتحدث عن أقوال
المقلدين الملتزمين بأقوال من سبقهم من غير معرفة بأدلتهم ، فقال : " ومنهم من قنع
بزبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم ، وبالنقل عن أهل مذهبه ، وقد سئل بعض
العارفين عن معنى المذهب فأجاب أن معناه : دين مبدل . قال تعالى ( ولا تكونوا من
المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) ( 3 ) ألا ومع هذا يخيل إليه أنه من
رؤوس العلماء ، وهو عند الله . وعند علماء الدين من أجهل الجهلاء ، بل بمنزلة قسيس
النصارى أو حبر اليهود ، لأن اليهود والنصارى ما كفروا إلا بابتداعهم في الأصول
والفروع ، وقد صح عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( لتركبن سنن من كان قبلكم ) ( 4 ) .
34 - قال الفلاني في الإيقاظ : " قال شيخ مشايخنا المحقق أبو الحسن السندي في
هامش
1 - مختصر المؤمل في الرد للقرن الأول . الرد ، السيوطي : ص 141 - 142 .
2 - راجع ص 56 من كتابه .
3 - الروم : 33 .
4 - ذكره عنه عمر الأشقر في تاريخ الفقه الإسلامي : ص 148 - 149 .