جليا أن الأمر بالمشاورة في هذه الآية بقصد الملاينة معهم والرحمة بهم وليس مأمورا
بالعمل برأيهم . . . ومن المجموع أن مقام المشاورة الراجحة إنما هي في الغزوات " ( 1 ) .
نعم لو كان الأمر المطلوب المشاورة فيه هو الخلافة ، لشاور النبي صحابته ، لكن لم يرد أن
النبي شاور أصحابه في أمر الخلافة ، فدل هذا على أن المشاورة المقصودة في الآية هي
غير الخلافة ، وإلا لكان النبي مخالفا لأمر ربه إذ أمره بمشاورة أصحابه بالخلافة ولم يفعل ! !
وقول الله ( وشاورهم في الأمر ) - إن كان هذا الأمر هو الخلافة - فيستلزم
وجود النبي بعد موته حيا بين صحابته ليشاورهم في أمر الخلافة ! ! وإلا كيف يشاورهم
وهو في قبره ؟ ! فدلالة الآية على أن الخلافة شورى غير واردة .
و " لو كان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفا ايجابيا يستهدف
وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة ، وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة
التي تنبثق عن هذا النظام ، لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الإيجابي ، أن
يقوم الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعملية توعية للأمة والدعاة على نظام الشورى وحدوده
وتفاصيله ، وإعطائه طابعا دينيا مقدسا ، وإعداد المجتمع الاسلامي إعدادا فكريا وروحيا
لتقبل هذا النظام ، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام
- وضعا سياسيا على أساس الشورى . . .
ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يمارس عملية التوعية على نظام
الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية ، لأن هذه العملية لو كانت قد أنجزت
لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو في ذهنية
الأمة . . . مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أي صورة تشريعية محددة لنظام
الشورى " ( 2 ) .
هامش
1 - معالم المدرستين ، مرتضى العسكري : 1 / 168 - 169 .
2 - بحث حول الولاية : ص 28 - 29 .