وقال طلحة بن عبيد الله : " . . . إنا كنا قوما أغنياء ، لنا بيوتات وأهلون ، وكنا نأتي
رسول الله طرفي النهار ثم نرجع " ( 1 ) .
قال ابن حزم في بيان حال الصحابة بأنهم كانوا " مشاغيل في المعاش ، وتعذر
القوت عليهم بجهد العيش بالحجاز ، وأنه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من
حضره من أصحابه فقط ، وانه إنما قامت الحجة على سائر من لم يحضره بنقل من حضره
وهم واحد أو اثنان " .
" وإذا صح هذا - أي كلام ابن حزم - وهو صحيح جدا لأن التاريخ لم يحدثنا عنه انه
- أي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - كان يجمع الصحابة جميعا ، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام ، ولو
تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهي من السنة . فماذا يصنع من يريد
التمسك بسنته - ولنفترضه من غير الصحابة - أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم
الولاة والحكام وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه
من أحكام ؟ أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين ، وهو لا يجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو
المقيد أو المخصص أمام واحد أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة ، والحجة - كما يقول ابن حزم -
لا تقوم إلا بهم ، والعمل بالعام أو المطلق لا يجوز قبل الفحص عن مخصصه ما دمنا نعلم
من طريقة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة ، فالإرجاع إلى شئ
مشتت وغير مدون تعجيز للأمة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية .
وإذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة إلى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبيا ، فما
رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح وانتشار الإسلام ومحاولة التعرف على احكامه من قبل
غير الصحابة من رواتهم ، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث . . . " ( 2 ) .
هامش
1 - تاريخ ابن كثير : 4 / 109 ، قال : وقد رواه الترمذي بنحوه .
2 - الأصول العامة للفقه المقارن : محمد تقي الحكيم ، 172 . إن هذا الكلام الرائع كاف لإثبات أن النبي لم
يفكر بأن يحمل صحابته الدعوة من بعده !