وهذا يوسف ( عليه السلام ) لم يترك الدعوة وهو في السجن ، قال تعالى على لسانه :
( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ( 1 )
من ذلك يتضح لنا أن الله لم يرض بتقليل العمل الرسالي في الرسالات المحددة
مكانا وزمانا ، فكيف يصطفي لآخر رسالاته وأخطرها ، والتي ينتظرها عمل كثير ، دعاة
يمنعون الرواية ويحرقونها ويمحونها ؟
لقد مر علينا قول ابن أبي ليلى : " أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من
أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا
حتى ترجع إلى الأول " .
فلماذا لا يجيب هؤلاء الصحابة عن المسائل التي يسألونها ؟ فإذا كانوا يجهلون فلا
يصلحون لتبيين الإسلام ، وإذا كانوا يعرفون فلم يردون المسائل ؟ أهو الورع الذي
يمنعهم ؟ فهل هم أورع من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي لم يرد سائلا في حياته ؟ ( 2 ) لا أعتقد أن
مسلما يقبل بهذا !
أما التعليلات التي تذكر لتبرير موقف الصحابة هذا ، فهي مرفوضة .
قيل : إن الصحابة منعوا تداول السنة كيلا تختلط بالقرآن ، ومعنى هذا القول : إن
الله قد أنزل كتابه المعجز لقوم لا يميزون بين كلام الخالق وكلام المخلوق ! ! وبهذا يتبين
ضعف هذا التعليل الذي نسمعه دائما !
وقيل : إن الصحابة منعوا الرواية كي ينشغل الناس بالقرآن ، ولا يتكلون على
الصحف .
هامش
1 - يوسف : 49 .
2 - قد يقال : إن الرسول معصوم ولهذا كان لا يتحرج في الجواب ، أما الصحابة فكانوا يخافون الزيادة
والنقص في الحديث . ولكننا نقول : أما كان الله قادرا على أن يختار شخصا معصوما بعد نبيه كي يسير
بسيرة النبي في التبليغ بدلا من حرمان الناس من الحديث ؟ فذلك خير ضمان لحفظ السنة بلا زيادة
ولا نقصان ولا تغيير بالمعنى .