تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه . وأما الإشكال على القول الثاني : فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ * ( من حيث ) * في قوله : * ( من حيث أفاض الناس ) * على الزمان ، وذلك غير جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان . أجاب القائلون بالقول الأول : عن ذلك السؤال بأن * ( ثم ) * ههنا على مثال ما في قوله تعالى : * ( وما أدراك ما العقبة فك رقبة ) * ( البلد : 13 ) إلى قوله : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 ) أي كان مع هذا من المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة * ( ثم ) * ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه . وأجاب القائلون بالقول الثاني : بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جداً فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملاً في الآخر على سبيل المجاز . أما قوله : * ( من حيث أفاض الناس ) * فقد ذكرنا أن المراد من * ( الناس ) * إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري . أن المراد بالناس في هذه الآية : آدم عليه السلام ، واحتج بقراءة سعيد بن جبير * ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) * وقال : هو آدم نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ * ( الناس ) * بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء ، والمعنى : أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه . أما قوله تعالى : * ( واستغفروا الله ) * فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، وأما الاستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب . فإن قيل : كيف أمر بالاستغفار مطلقاً ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار . والجواب : أنه إن كان مذنباً فالإستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، وجب عليه الاستغفار أيضاً تداركاً لذلك الخلل المجوز ، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه البتة خلل في شئ من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر ، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضاً واجب ، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان الاستغفار لازماً من هذه الجهة ، ولهذا قال