تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
أحدهما : ذكر هو ضد النسيان والثاني : الذكر بالقول ، فما هو خلاف النسيان قوله : * ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) * ( الكهف : 63 ) وأما الذكر الذي هو القول فهو كقوله : * ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً * واذكروا الله في أيام معدودات ) * ( البقرة : 203 ) فثبت أن الذكر وارد بالمعنيين فالأول : محمول على الذكر باللسان والثاني : على الذكر بالقلب ، فإن بهما يحصل تمام العبودية ورابعها : قال ابن الأنباري : معنى قوله : * ( واذكروه كما هداكم ) * يعني اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته وخامسها : يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر ، كأنه قيل لهم : اذكروا الله واذكروه أي اذكروه ذكراً بعد ذكر ، كما هداكم هداية بعد هداية ، ويرجع حاصله إلى قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ) * ( الأحزاب : 41 ) وسادسها : أنه تعالى أمر بالذكر عند المشعر الحرام ، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة ، ثم قال بعده : * ( واذكروه كما هداكم ) * والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة لوظائف الشريعة ، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة ، وهو أن ينقطع قلبك عن المشعر الحرام ، بل عن من سواه فيصير مستغرقاً في نور جلاله وصمديته ، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكراً له ومشتغلاً بالثناء عليه ، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه الخيال ، ومن أراد أن يصل إليه ، فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر ورابعها : أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله تعالى وصفاته الحسنى ، والمراد بالذكر الثاني : الاشتغال بشكر نعمائه ، والشكر مشتمل أيضاً على الذكر ، فصح أن يسمي الشكر ذكراً ، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية ، فقال : * ( كما هداكم ) * والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر وثامنها : أنه تعالى لما قال * ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) * جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة ، يعني الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال * ( واذكروه كما هداكم ) * يعني اذكروه على كل حال ، وفي كل مكان ، لأن هذا الذكر إنما وجب شكراً على هدايته ، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة ، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمراً غير منقطع وتاسعها : أن قوله : * ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) * المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك ، ثم قوله : * ( واذكروه كما هداكم ) * والمراد منه التهليل والتسبيح . السؤال الثاني : ما المراد من الهداية في قوله : * ( كما هداكم ) * ؟ .