تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
المراد بهذه الآية الإضافة من عرفات من يقول قوله : * ( ثم أفيضوا ) * أمر عام لكل الناس ، وقوله : * ( من حيث أفاض الناس ) * المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ، ويخالف الحمس ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدي به ، وهو كقوله تعالى : * ( الذين قال لهم الناس ) * ( آل عمران : 173 ) يعني نعيم بن مسعود * ( إن الناس قد جمعوا لكم ) * ( آل عمران : 173 ) يعني أبا سفيان ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور ، ومنه قوله : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر : 1 ) وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله ، وهو أن يكون قوله : * ( من حيث أفاض الناس ) * عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديماً ، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات . القول الثاني : وهو اختيار الضحاك : أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله : * ( من حيث أفاض ) * المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما ، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس ، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالاً : أما الإشكال على القول الأول : فهو أن قوله تعالى : * ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) * يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله : * ( فإذا أفضتم من عرفات ) * ( البقرة : 198 ) لمكان * ( ثم ) * فإنها توجب الترتيب ، ولو كان المراد من هذه الآية : الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله * ( فإذا أفضتم من عرفات ) * كان هذا عطفاً للشئ على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات ، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، والتقدير : فاتقون يا أولي الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله ، وعلى هذا الترتيب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها . قلنا : هذا وإن كان محتملاً إلا أن الأصل عدمه ، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني