تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
" أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا * ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) * ( الحجرات : 13 ) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس ، فالمراد به الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام ، نظير الأول قوله تعالى : * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ، فإذا قضيت الصلاة ) * وقال عليه الصلاة والسلام : " وما فاتكم فاقضوا " ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضي بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى : * ( وقضى ربك ) * ( الإسراء : 23 ) وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضاً ذلك كقوله : * ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) * ( الإسراء : 4 ) يعني أعلمناهم . إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : * ( فإذا قضيتم مناسككم ) * لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصاً وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله : * ( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ) * كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله : * ( فإذا قضيتم مناسككم ) * مشعر بالفراغ والاتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول القائل : إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج . المسألة الثالثة : " المناسك " جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك ، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة ، كان التقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب حذف المضاف . إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : المراد من المناسك ههنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات ، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء . المسألة الرابعة : الفاء في قوله : * ( فاذكروا الله ) * يدلى على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر ، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو ؟ فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة ، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشويق ، على حسب