تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
مطلقاً تصدق بما شاء من قليل أو كثير ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف ، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجوز اعتكاف أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ، ويخرج بعد غروب الشمس ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه ليس تقدير الإعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض ، فوجب ترك التقدير والرجوع إلى أقل ما لا بد منه ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الإعتكاف هو حبس النفس عليه ، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة ، ولأن على هذا التقدير لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة . أما قوله تعالى : * ( تلك حدود الله ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( تلك ) * لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الإعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الإعتكاف إلا حداً واحداً ، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى ههنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل . المسألة الثانية : قال الليث : حد الشئ مقطعه ومنتهاه قال الأزهري : ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب : حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها ، وحدود الله ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع : حداً ، وسمي الحديد : حديداً لما فيه من المنع ، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الإشتقاق فنقول : المراد من حدود الله محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة . أما قوله تعالى : * ( فلا تقربوها ) * ففيه إشكالان الأول : أن قوله تعالى : * ( تلك حدود الله ) * إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل * ( فلا تقربوها ) * والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : * ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) * ( البقرة : 229 ) وقال في آية المواريث * ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ) * ( تلك وقال ههنا : * ( فلا تقربوها ) * فكيف الجمع بينهما ؟ والجواب عن السؤالين من وجوه : الأول : وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيداً عن الطرف فضلاً أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام : " إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه " الثاني : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني : لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله : * ( لا تقربوا مال اليتيم ) * ( الإسراء : 34 ) الثالث : أن