تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الحكم السابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف قوله تعالى : * ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) * . اعلم أنه تعالى لما بين الصوم ، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة ، كان يجوز أن يظن في الإعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهاراً لا ليلاً ، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهاراً وليلاً ، فقال : * ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) * ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : الإعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشئ وحبس نفسه عليه ، براً كان أو إثماً ، قال تعالى : * ( يعكفون على أصنام لهم ) * ( الأعراف : 138 ) والاعتكاف الشرعي : المكث في بيت الله تقرباً إليه ، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف ، وهو من الشرائع القديمة ، قال الله تعالى : * ( طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ) * ( البقرة : 125 ) وقال تعالى : * ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) * . المسألة الثانية : لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، أما إذا لمسها بشهوة ، أو قبلها ، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف ، وهو يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : الأصح أنه يبطل ، وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله : * ( ولا تباشروهن ) * منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها . فإن قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع ؟ قلنا : لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله : * ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث ) * وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذناً فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما ههنا فلم يوجد شئ من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال : إنها لا تبطل الإعتكاف ، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج ، فوجب أن لا تفسد الإعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب : أن النص مقدم على القياس . المسألة الثالثة : اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن المسجد