تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
عليه ما روى الشافعي رضي الله تعالى عنه بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قيل : يا رسول الله تواصل ، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله ؟ فقال : إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ، وقيل فيه معان أحدها : أنه كان يطعم ويسقى من طعام الجنة والثاني : أن عليه الصلاة والسلام قال : إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلاً ، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير ، أنه كان يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمساً ، فلما كبر جداً جعلها ثلاثاً ، فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم ، وقيل : هو نهي تنزيه ، لأنه ترك للمباح ، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء ، فعلى ذلك هو بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف ، أو في سائر العبادات ، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدراً يزول به هذا الخوف . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الليل ما هو ؟ فمن الناس من قال : آخر النهار على أوله ، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس ، كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفي بزوال الحمرة ، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب ، إلا أن الحديث الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء . المسألة الثالثة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير معتبر في صحة الصوم ، قالوا : الصوم في اللغة هو الإمساك ، وقد وجد ههنا فيكون صائماً ، فيجب عليه إتمامه ، لقوله تعالى : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * فوجب القول بصحته ، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفي بقوله تعالى : * ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) وقوله : * ( ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير الصحيح على الأصل ، ثم نقول : مقتضى هذا الدليل ، أن يصح صوم الفرض بنية بعد الزوال إلا أنا قلنا : الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال . المسألة الرابعة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه قالوا : لأن قوله تعالى : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * أمر وهو للوجوب ، وهو يتناول كل الصيامات ، والشافعية قالوا : هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم الفرض ، فكان المراد منه صوم الفرض .
تفسير الرازي — صفحة 123 | فخر الدين الرازي