تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
محمد صلى الله عليه وسلم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته ، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلاً ، فهذا هو المراد من قوله : * ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) * إلى آخر الآية ، وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية . فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ، قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة ، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه ، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام المعجز على يده ، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق ، ثم نقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : * ( كونوا هوداً أو نصارى ) * ( البقرة : 135 ) ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام : * ( قل بل ملة إبراهيم ) * ( البقرة : 135 ) ثم قال لأمته : * ( قولوا آمنا بالله ) * وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله : * ( قولوا آمنا بالله ) * يتناول جميع المكلفين ، أعني النبي عليه السلام وأمته ، والدليل عليه وجهان : أحدهما : أن قوله : * ( قولوا ) * خطاب عام فيتناول الكل . الثاني : أن قوله : * ( وما أنزل إلينا ) * لا يليق إلا به صلى الله عليه وسلم ، فلا أقل من أن يكون هو داخلاً فيه ، واحتج الحسن على قوله بوجهين . الأول : أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله : * ( قل بل ملة إبراهيم ) * . الثاني : أنه في نهاية الشرف ، والظاهر إفراده بالخطاب . والجواب : أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى حيث تقتضي تخصيص عموم قوله : * ( قولوا آمنا بالله ) * أما قوله : * ( قولوا آمنا بالله ) * فإنما قدمه لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع ، فمن لا يعرف الله استحال أن يعرف نبياً أو كتاباً ، وهذا يدل على فساد مذهب التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة الله تعالى : الكتاب والسنة . أما قوله : * ( والأسباط ) * قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، وقال صاحب " الكشاف " السبط ، الحافد ، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأسباط : الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه السلام وذراري أبنائه الاثني عشر . أما قوله : * ( لا نفرق بين أحد منهم ) * ففيه وجهان . الأول : أنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز . الثاني : لا نفرق بين أحد منهم ، أي لا نقول : إنهم متفرقون في أصول الديانات ، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام ، كما قال الله تعالى : * ( شرع لكم في الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) * . الوجه الأول : أليق بسياق الآية .