تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
اتبعوا ) * فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : * ( يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ) * ( العنكبوت : 25 ) وقال أيضاً : * ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) * ( الزخرف : 67 ) وقال : * ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) * ( الأعراف : 38 ) وحكى عن إبليس أنه قال : * ( إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل ) * وههنا مسائل : المسألة الأولى : في قوله : * ( إذ تبرأ ) * قولان ، الأول : أنه بدل من : * ( إذ يرون العذاب ) * ( البقرة : 165 ) . الثاني : أن عامل الإعراب في ( إذ ) معنى شديد كأنه قال : هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ . المسألة الثانية : معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله : * ( وتقطعت بهم الأسباب ) * يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سبباً ، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه . أحدها : أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء . وثانيها : أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي . وثالثها : أنهم شياطين الجن والإنس . ورابعها : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضاً حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى : * ( إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) * ( الأحزاب : 67 ) ، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير التبرؤ وجوهاً . أحدها : أن يقع منهم ذلك بالقول . وثانيها : أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا . وثالثها : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ . أما قوله تعالى : * ( ورأوا العذاب ) * الواو للحال ، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال ، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف . أما قوله تعالى : * ( وتقطعت بهم الأسباب ) * ففيه مسائل :