تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
قلنا : الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب ، لأنه لا يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لاسقاط العقاب ، وهو الغرض بفعلها ، وإن كان لا بد من أن يستحق بها الثواب إذا لم يكن مخطئاً ، ومعنى قوله : * ( وأنا التواب ) * القابل لتوبة كل ذي توبة فهو مبالغة في هذا الباب ، ومعنى الرحيم عقيب ذلك : التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده ، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم . * ( إِن الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ واَلْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) * اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : أن ظاهر قوله تعالى : * ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) * عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك ، وقال أبو مسلم : يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين يكتمون الآيات ، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون ، ثم ذكر حال التائبين منهم ، ذكر أيضاً حال من يموت منهم من غير توبة ، وأيضاً أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة ، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات . والجواب عنه : أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى ، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف . المسألة الثانية ؛ لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازماً من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدماً عند عدم الشرط ؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك . المسألة الثالثة : إن قيل : كيف يلعنه الناس أجمعون ، وأهل دينه لا يلعنونه ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه . أحدها : أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة ، لقوله تعالى : * ( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ) * ( العنكبوت : 25 ) . وثانيها : قال قتادة والربيع : أراد بالناس أجمعين