تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
سورة الفتح وهي عشرون وتسع آيات مدنية بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : في الفتح وجوه : أحدها : فتح مكة وهو ظاهر وثانيها : فتح الروم وغيرها وثالثها : المراد من الفتح صلح الحديبية ورابعها : فتح الإسلام بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان وخامسها : المراد منه الحكم كقوله * ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) * ( الأعراف : 89 ) وقوله * ( ثم يفتح بيننا بالحق ) * ( سبأ : 26 ) والمختار من الكل وجوه : أحدها : فتح مكة ، والثاني : فتح الحديبية ، والثالث : فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان . والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه أحدها : أنه تعالى لما قال : * ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) * . إلى أن قال : * ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) * ( محمد : 38 ) بيّن تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها : لما قال : * ( والله معكم ) * وقال : * ( وأنتم الأعلون ) * ( محمد : 35 ) بيّن برهانه بفتح مكة ، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها : لما قال تعالى : * ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ) * ( محمد : 35 ) وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه ، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ، فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف قال تعالى : * ( فتحنا لك فتحاً مبيناً ) * بلفظ الماضي ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين : أحدهما : فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما : ما قدره الله تعالى فهو كائن ، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له ، واقع لا رافع له .