تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
حالة ، وزجراً لأمثاله عن مثل فعاله ، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة ، لكن فلاناً أغضبه وظهر منه الغضب ، فيجعل الغضب ظاهراً من الفعل ، والفعل الحسن ظاهراً من الكرم ، فالغضب في الكريم بعد فعل ، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله * ( ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ) * . ثم قال تعالى : * ( فأحبط أعمالهم ) * حيث لم يطلبوا إرضاء الله ، وإنما طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام . قوله تعالى * ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) * . قوله تعالى : * ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) * . هذا إشارة إلى المنافقين و * ( أم ) * تستدعي جملة أخرى استفهامية إذا كانت للاستفهام ، لأن كلمة * ( أم ) * إذا كانت متصلة استفهامية تستدعي سبق جملة أخرى استفهامية ، يقال أزيد في الدار أم عمرو ، وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ذلك ، يقال إن هذا لزيد أم عمرو ، وكما يقال بل عمرو ، والمفسرون على أنها منقطعة ، ويحتمل أن يقال إنها استفهامية ، والسابق مفهوم من قوله تعالى : * ( والله يعلم إسرارهم ) * فكأنه تعالى قال : أحسب الذين كفروا أن لن يعلم الله إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها والكل قاصر ، وإنما يعلمها ويظهرها ، ويؤيد هذا أن المتقطعة لا تكاد تقع في صدر الكلام فلا يقال ابتداء ، بل جاء زيد ، ولا أم جاء عمرو ، والإخراج بمعنى الإظهار فإنه إبراز ، والأضغان هي الحقود والأمراض ، واحدها ضغن . ثم قال تعالى * ( وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) * . ثم قال تعالى : * ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ) * . لما كان مفهوم قوله * ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) * ( محمد : 29 ) أن الله يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلاً قال فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم ، كما لا تفشى أسرار الأكابر خوفاً منهم * ( ولو نشاء لأريناكهم ) * أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف ، وقوله * ( فلتعرفنهم ) * لزيادة فائدة ، وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة ، يقال عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم فقال ههنا * ( فلعرفتهم ) * يعني عرفناهم تعريفاً تعرفهم به ، إشارة إلى قوة التعريف ، واللام في قوله * ( فلعرفتهم ) * هي التي تقع في جزاء لو كما في قوله * ( لأريناكهم ) * أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة على المشيئة كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم ، ليفهم أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف ، أي لو نشاء لعرفناك تعريفاً معه المعرفة
تفسير الرازي — صفحة 69 | فخر الدين الرازي