قال بعض المفسرين ذلك إشارة إلى الإملاء ، أي ذلك الإملاء بسبب أنهم * ( قالوا للذين كرهوا ) * وهو اختيار الواحدي ، وقال بعضهم * ( ذلك ) * إشارة إلى التسويل ، ويحتمل أن يقال ذلك الارتداد بسبب أنهم قالوا * ( سنطيعكم ) * وذلك لأنا نبين أن قوله * ( سنطيعكم في بعض الأمر ) * هو أنهم قالوا : نوافقكم على أن محمداً ليس بمرسل ، وإنما هو كاذب ، ولكن لا نوافقكم في إنكار الرسالة والحشر والإشراك بالله من الأصنام ، ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، وإن آمن بغيره . لا بل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لا يؤمن بالله ولا برسله ولا بالحشر ، لأن الله كما أخبر عن الحشر وهو جائز ، أخبر عن نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، وهي جائزة فإذا لم يصدق الله في شيء لا ينفي الكذب بقول الله في غيره ، فلا يكون مصدقاً موقناً بالحشر ، ولا برسالة أحد من الأنبياء ، لأن طريق معرفتهم واحد ، والمراد من الذين كرهوا ما نزل الله هم المشركون والمنافقون ، وقيل المراد اليهود ، فإن أهل مكة قالوا لهم : نوافقكم في إخراج محمد وقتله وقتال أصحابه ، والأول أصح ، لأن قوله * ( كرهوا ما نزل الله ) * لو كان مسنداً إلى أهل الكتاب لكان مخصوصاً ببعض ما أنزل الله ، وإن قلنا بأنه مسند إلى المشركين يكون عاماً ، لأنهم كرهوا ما نزل الله وكذبوا الرسل بأسرهم ، وأنكروا الرسالة رأساً ، وقوله * ( سنطيعكم في بعض الأمر ) * يعني فيما يتعلق بمحمد من الإيمان به فلا نؤمن ، والتكذيب به فنكذبه كما تكذبونه والقتال معه ، وأما الإشراك بالله ، واتخاذ الأنداد له من الأصنام ، وإنكار الحشر والنبوة فلا ، وقوله * ( والله يعلم إسرارهم ) * قال أكثرهم : المراد منه هو أنهم قالوا ذلك سراً ، فأفشاه الله وأظهره لنبيه عليه الصلاة والسلام ، والأظهر أن يقال * ( والله يعلم أسرارهم ) * وهو ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا مكابرين معاندين ، وكانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وقرئ * ( إسرارهم ) * بكسر الهمزة على المصدر ، وما ذكرنا من المعنى ظاهر على هذه القراءة ، فإنهم كانوا يسرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلى قولنا المراد من الذين ارتدوا المنافقون ، فكانوا يقولون للمجاهدين من الكفار * ( سنطيعكم في بعض الأمر ) * ( محمد : 26 ) وكانوا يسرون أنهم إن غلبوا انقلبوا ، كما قال الله تعالى ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ) * وقال تعالى : * ( فإذا جاء الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) * ( الأحزاب : 15 ) .
قوله تعالى
* ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) * .
اعلم أنه لما قال الله تعالى : * ( والله يعلم إسرارهم ) * ( محمد : 26 ) قال فهب أنهم يسرون والله لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفياً وقت وفاتهم ، أو نقول كأنه تعالى قال : * ( والله يعلم إسرارهم ) * وهب أنهم
تفسير الرازي — صفحة 67
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦٧