تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
والمؤمن وجد منه ذلك أيضاً ، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب ، كما قال تعالى : * ( أولئك هم الصادقون ) * ، ( الحجرات : 15 ) وثانيها : إخبارهم من عدم التولية في قوله * ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ) * ( الأحزاب : 15 ) إلى غير ذلك ، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص والمنافق كان كالهباء ينزعج بأدنى صيحة وثالثها : المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة من النبي عليه السلام كقوله تعالى : * ( لتدخلن المسجد الحرام ) * ( الفتح : 27 ) ، * ( لأغلبن أنا ورسلي ) * ( المجادلة : 21 ) ، و * ( إن جندنا لهم الغالبون ) * ( الصافات : 173 ) وللمنافق أخبار أراجيف كما قال تعالى في حقهم * ( والمرجفون في المدينة ) * ( الأحزاب : 60 ) فعند تحقق الإيجاف ، يتبين الصدق من الإرجاف . قوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآقُّواْ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ) * . فيه وجهان أحدهما : هم أهل الكتاب قريظة والنضير والثاني : كفار قريش يدل على الأول قوله تعالى : * ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) * قيل أهل الكتاب تبين لهم صدق محمد عليه السلام ، وقوله * ( لن يضروا الله شيئاً ) * تهديد معناه هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك ، بل الشقاق مع الله فإن محمداً رسول الله ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ، وقوله * ( وسيحبط أعمالهم ) * قد علم معناه . فإن قيل قد تقدم في أول السورة أن الله تعالى أحبط أعمالهم فكيف يحبط في المستقبل ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد من قوله * ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) * ( محمد : 1 ) في أول السورة المشركون ، ومن أول الأمر كانوا مبطلين ، وأعمالهم كانت على غير شريعة ، والمراد من الذين كفروا ههنا أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول فأحبطها الله تعالى بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل والتوحيد ، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلاً ولا كان معترفاً بالحشر الثاني : هو أن المراد بالأعمال ههنا مكايدهم في القتال وذلك في تحقق منهم والله سيبطله حيث يكون النصر للمؤمنين ، والمراد بالأعمال في أول السورة هو ما ظنوه حسنة . قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ ) * . العطف ههنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش لأن طاعة