أبصارهم ) * ولم يقل أعماهم ، وذلك لأن العين آلة الرؤية ولو أصابها آفة لا يحصل الإبصار والأذن لو أصابها آفة من قطع أو قلع تسمع الكلام ، لأن الأذن خلقت وخلق فيها تعاريج ليكثر فيها الهواء المتموج ولا يقرع الصماخ بعنف فيؤذي كما يؤذي الصوت القوي فقال : * ( أصمهم ) * من غير ذكر الأذن ، وقال : * ( أعمى أبصارهم ) * مع ذكر العين لأن البصر ههنا بمعنى العين ، ولهذا جمعه
بالأبصار ، ولو كان مصدراً لما جمع فلم يذكر الأذن إذ لا مدخل لها في الإصمام ، والعين لها مدخل في الرؤية بل هي الكل ، ويدل عليه أن الآفة في غير هذه المواضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقراً ، كما قال تعالى : * ( وفي آذاننا وقر ) * ( فصلت : 5 ) وقال : * ( كان في أذنيه وقراً ) * ( لقمان : 7 ) والوقر دون الصم وكذلك الطرش .
ثم قال تعالى
* ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ) * .
ولنذكر تفسيرها في مسائل :
المسألة الأولى : لما قال الله تعالى : * ( فأصمهم وأعمى أبصارهم ) * ( محمد : 23 ) كيف يمكنهم التدبر في القرآن قال تعالى : * ( أفلا يتدبرون ) * وهو كقول القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع ؟ فنقول الجواب : عنه من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من البعض الأول : تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم أنه لا يؤمن بأن يؤمن ، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التدبر الثاني : أن قوله * ( أفلا يتدبرون ) * المراد منه الناس الثالث : أن نقول هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة ، فإنه تعالى قال : * ( أولئك الذين لعنهم الله ) * ( محمد : 23 ) أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة * ( فأصمهم ) * لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام فإذن هم بين أمرين ، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه ، لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق ، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع الأشرف ، وأما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة ، تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعودين ، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ولا يفهمون ، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل ، بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة في وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر ، وأم دخلت على القلوب التي في وسط الكلام .
المسألة الثانية : قوله * ( على قلوب ) * على التنكير ما الفائدة فيه ؟ نقول قال الزمخشري يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون للتنبيه على كونه موصوفاً لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة الثاني : أن يكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم ، تقول جاءني رجال فيفهم البعض وجاءني الرجال فيفهم الكل ، ونحن نقول التنكير للقلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب ، وذلك لأن القلب إذا كان عارفاً كان
تفسير الرازي — صفحة 65
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦٥