تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى ، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع * ( من آمن وعمل صالحاً ) * ( سبأ : 37 ) و * ( فمن تاب * وأصلح ) * ( المائدة : 39 ) ؟ نقول إذا كان المعطوف مفرداً أو شبيهاً بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال : كمن هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة ، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع ، فإن قوله * ( سقوا ماء ) * جملة غير مشابهة لقوله * ( هو خالد ) * وقوله تعالى : * ( وسقوا ماءً حميماً ) * بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن ، ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله * ( على بينة ) * في مقابلة * ( زين له سوء عمله ) * و * ( من ربه ) * في مقابلة قوله * ( واتبعوا أهواءهم ) * والجنة في مقابلة النار في قوله * ( خالد في النار ) * والماء الحميم في مقابلة الأنهار ، فأين ما يقابل قوله * ( ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة ) * فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها ، كأنه قال : للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة ، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم ، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد . المسألة الرابعة : الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة ، وهي الحدة التي تكون في السموم المدوفة ، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع ، فإن قيل قوله تعالى : * ( فقطع ) * بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر ، نقول نعم ، لكنه لا يقتضي أن يقال : يقطع ، لأنه ماء حميم فحسب ، بل ماء حميم مخصوص يقطع . ثم قال تعالى : * ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ ) * . لما بيّن الله تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار ، وقوله * ( ومنهم ) * يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الناس ، كما قال تعالى في سورة البقرة * ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) * ( البقرة : 8 ) بعد ذكر الكفار ، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى أهل مكة ، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى : * ( هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ) * ( محمد : 13 ) ويحتمل أن يكون راجعاً إلى معنى قوله * ( كمن هو خالد في النار
تفسير الرازي — صفحة 57 | فخر الدين الرازي