تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
لا يشرب ، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر قريب الزمان ، ألا ترى أن السكنجبين من " سركه وانكبين " وهو الخل والعسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولاً من الخل والعسل ولم يعرف السكر إلا في زمان متأخر ، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل للتمييز والله أعلم . المسألة الثانية : قال في الخمر * ( لذة للشاربين ) * ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر ، فقال : * ( لذة للشاربين ) * بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال : * ( لذة ) * أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم ، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس ، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد كذلك ، لكنه قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة ، وقوله * ( لذة ) * يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة وثانيهما : أن يكون ذلك وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله وللعاقل كله . ثم قال تعالى : * ( ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ) * . بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول ، ولما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم ، وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد * ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها ) * ( الرعد : 35 ) حيث أشار إلى المأكول والمشروب ، وههنا لطيفة وهي أنه تعالى قال فيها * ( وظلها ) * ولم يقل ههنا ذلك ، نقول قال ههنا * ( ومغفرة ) * والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك ، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير ، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا يمسهم حر ولا برد . المسألة الثالثة : المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين : الأول : ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها ، بل يكون عطفاً على قوله ( لهم ) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها والثاني : هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب ، ووجه آخر وهو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز ، فقال : * ( ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة ) * لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور ، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون
تفسير الرازي — صفحة 55 | فخر الدين الرازي