تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره : يا معلم غفر الله لك ، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم ، فقلت في نفسي معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل ، وأما في الدنيا ، فلأن للأكل توابع ولوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم . ثم قال تعالى : * ( كمن هو خالد في النار وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم ) * وفيه أيضاً مسائل : المسألة الأولى : على قول من قال : * ( مثل الجنة ) * معناه وصف الجنة فقوله * ( كمن هو ) * بماذا يتعلق ؟ نقول قوله * ( لهم فيها من كل الثمرات ) * يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار ، فالمشبه يكون محذوفاً مدلولاً عليه بما سبق ، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار . المسألة الثانية : قال الزجاج قوله تعالى : * ( كمن هو خالد في النار ) * راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا ؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه ، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلاً عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف * ( كمن هو خالد ) * على * ( كمن زين له سوء عمله ) * أو * ( كمن هو خالد في النار ) * ، وأما التعسف فبيّن نظراً إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به ، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال : أفمن كان على بينة كمن هو خالد ؟ وهو سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك ، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضاً يصير مستقلاً في التشبيه ، اللّهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع كأنه يقول : أفمن كان على بينة من ربه ، وهو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ، وعلى هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه ، وبين من زين له سوء عمله ، وبين من في الجنة وبين من هو خالد في النار ، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية ، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماءً حميماً وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما ، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب . المسألة الثالثة : قال : * ( كمن هو خالد ) * حملاً على اللفظ الواحد وقال : * ( وسقوا ماءً حميماً ) * على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل * ( كمن زين له سوء عمله ) * ( محمد : 14 ) على التوحيد والإفراد * ( واتبعوا أهواءهم ) * على الجمع فما الوجه فيه ؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلاً فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع ، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولاً ، لأن اللفظ لا يبقى في السمع ، والمعنى يبقى في ذهن
تفسير الرازي — صفحة 56 | فخر الدين الرازي