تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
ثانيها : بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسئ فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك ، والضمير عائد إلى القرية معلومة وإن لم تكن مذكورة وقوله تعالى : * ( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ) * . فيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين ، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ، وقيل في مثاله إن العالم كبدن ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والكفار والفساق كالسموم الواردة عليه الضارة ، ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه المضار هلك وإن خلا عن المضار وفيه المنافع طاب عيشه ونما ، وإن وجد فيه كلاهما فالحكم للغالب فكذلك البلاد والعباد والدلالة على أن المسلم بمعنى المؤمن ظاهرة ، والحق أن المسلم أعم من المؤمن وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه ، فإذا سمي المؤمن مسلماً لا يدل على اتحاد مفهوميهما ، فكأنه تعالى قال أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتاً من المسلمين ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين ، وهذا كما لو قال قائل لغيره : من في البيت من الناس ؟ فيكول له : ما في البيت من الحيوانات أحد غير زيد ، فيكون مخبراً له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد . ثم قال تعالى : * ( وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الاَْلِيمَ ) * . وفي الآية خلاف . قيل : هو ماء أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك ، وقيل : حجارة مرمية في ديارهم وهي بين الشام والحجاز ، وقوله : * ( للذين يخافون العذاب الأليم ) * أي المنتفع بها هو الخائف ، كما قال تعالى : * ( لقوم يعقلون ) * ( العنكبوت : 45 ) في سورة العنكبوت ، وبينهما في اللفظ فرق قال ههنا : * ( آية ) * وقال هناك : * ( آية بينة ) * وقال هناك : * ( لقوم يعقلون ) * وقال ههنا : * ( للذين يخافون ) * فهل في المعنى فرق ؟ نقول هناك مذكور بأبلغ وجه يدل عليه قوله تعالى : * ( آية بينة ) * حيث وصفها بالظهور ، وكذلك منها وفيها فإن من للتبعيض ، فكأنه تعالى قال : من نفسها لكم آية باقية ، وكذلك قال : * ( لقوم يعقلون ) * فإن العاقل أعم من الخائف ، فكانت الآية هناك أظهر ، وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم ، وههنا تسلية القلب ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) * ( الذاريات : 35 ، 36 ) وقال هناك : * ( إنا منجوك وأهلك ) * ( العنكبوت : 33 ) من غير بيان وافٍ بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم .