تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ثم قال تعالى : * ( وَفِى مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) * . قوله : * ( وفي موسى ) * يحتمل أن يكون معطوفاً على معلوم ، ويحتمل أن يكون معطوفاً على مذكور ، أما الأول ففيه وجوه . الأول : أن يكون المراد ذلك في إبراهيم وفي موسى ، لأن من ذكر إبراهيم يعلم ذلك . الثاني : لقوم في لوط وقومه عبرة ، وفي موسى وفرعون . الثالث : أن يكون هناك معنى قوله تعالى : تفكروا في إبراهيم ولوط وقومهما ، وفي موسى وفرعون ، والكل قريب بعضه من بعض ، وأما الثاني ففيه أيضاً وجوه . أحدها : أنه عطف على قوله : * ( وفي الأرض آيات للموقنين ) * ( الذاريات : 20 ) ، * ( وفي موسى ) * وهو بعيد لبعده في الذكر ، ولعدم المناسبة بينهما . ثانيها : أنه عطف على قوله : * ( وتركنا فيها آية للذين يخافون ) * ( الذاريات : 37 ) ، * ( وفي موسى ) * أي وجعلنا في موسى على طريقة قولهم : علفتها تبناً وماءً بارداً ، وتقلدت سيفاً ورمحاً ، وهو أقرب ، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير في قوله تعالى : * ( وتركنا فيها ) * عائد إلى القرية . ثالثها : أن نقول فيها راجع إلى الحكاية ، فيكون التقدير : وتركنا في حكايتهم آية أو في قصتهم ، فيكون : وفي قصة موسى آية ، وهو قريب من الاحتمال الأول ، وهو العطف على المعلوم . رابعها : أن يكون عطفاً على * ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ) * ( الذاريات : 24 ) وتقديره : وفي موسى حديث إذ أرسلناه ، وهو مناسب إذ جمع الله كثيراً من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام ، كما قال تعالى : * ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ) * ( النجم : 36 ) وقال تعالى : * ( صحف إبراهيم وموسى ) * ( الأعلى : 19 ) والسلطان القوة بالحجة والبرهان ، والمبين الفارق ، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من البراهين القاطعة التي حاج بها فرعون ، ويحتمل أن يكون المراد المعجز الفارق بين سحر الساحر وأمر المسلمين . * ( فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) * . قوله تعالى : * ( فتولى بركنه ) * فيه وجوه . الأول : الباء للمصاحبة ، والركن إشارة إلى القوم كأنه تعالى يقول : أعرض مع قومه ، يقال نزل فلان بعسكره على كذا ، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى : * ( فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى ) * ( النازعات : 20 - 22 ) قال : * ( أدبر ) * وهو بمعنى تولى وقوله : * ( فحشر فنادى ) * ( النازعات : 23 ) وفي معنى قوله تعالى : * ( بركنه ) * . الثاني : * ( فتولى ) * أي اتخذ ولياً ، والباء للتعدية حينئذ يعني تقوى بجنده . والثالث : تولى أمر موسى بقوته ، كأنه قال : أقتل موسى لئلا يبدل دينكم ، ولا يظهر في الأرض الفساد ، فتولى أمره بنفسه ، وحينئذ يكون المفعول غير مذكور ، وركنه هو نفسه القوية ، ويحتمل أن يكون المراد من ركنه هامان ، فإنه كان وزيره ، وعلى هذا الوجه الثاني أظهر . * ( وقال ساحر أو مجنون ) * أي هذا ساحر أو مجنون ، وقوله : * ( ساحر ) * أي يأتي الجن بسحره