تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
الاستعجال ، وما خطبكم المعجل لكم ؟ نقول : لو كان أوجس منهم خيفة وخرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئاً ، فلما آنسوه قال : ما خطبكم ، أي بعد هذا الأنس العظيم ، ما هذا الإيحاش الأليم . المسألة الثانية : هل في الخطب فائدة لا توجد في غيره من الألفاظ ؟ نقول : نعم ، وذلك من حيث إن الألفاظ المفردة التي يقرب منها الشغل والأمر والفعل وأمثالها ، وكل ذلك لا يدل على عظم الأمر ، وأما الخطب فهو الأمر العظيم ، وعظم الشأن يدل على عظم من على يده ينقضي ، فقال : * ( ما خطبكم ) * أي لعظمتكم لا ترسلون إلا في عظيم ، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول ما شغلكم الخطير وأمركم العظيم للزم التطويل ، فالخطب أفاد التعظيم مع الإيجاز . المسألة الثالثة : من أين عرف كونهم مرسلين ، فنقول قالوا له بدليل قوله تعالى : * ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * ( هود : 70 ) وإنما لم يذكر ههنا لما بينا أن الحكاية ببسطها مذكورة في سورة هود ، أو نقول لما قالوا لامرأته : * ( كذلك قال ربك ) * ( الذاريات : 30 ) علم كونهم منزلين من عند الله حيث كانوا يحكون قول الله تعالى ، يدل على هذا أن قولهم : * ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) * كان جواب سؤاله منهم . * ( قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ) * . المسألة الرابعة : هذه الحكاية بعينها هي المحكية في هود ، وهناك قالوا : * ( إنا أرسلنا ) * ( هود : 70 ) بعد ما زال عنه الروع وبشروه ، وهنا قالوا : * ( إنا أرسلنا ) * بعدما سألهم عن الخطب ، وأيضاً قالوا هناك : * ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * ( هود : 70 ) وقالوا ههنا : * ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) * والحكاية من قولهم ، فإن لم يقولوا ذلك ورد السؤال أيضاً ، فنقول إذا قال قائل حاكياً عن زيد : قال زيد عمرو خرج ، ثم يقول مرة أخرى : قال زيد إن بكراً خرج ، فإما أن يكون صدر من زيد قولان ، وإما أن لا يكون حاكياً مما قاله زيد ، والجواب عن الأول : هو أنه لما خاف جاز أنهم ما قالوا له * ( لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * فلما قال لهم ماذا تفعلون بهم ، كان لهم أن يقولوا : * ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * لنهلكهم ، كما يقول القائل : خرجت من البيت ، فيقال : لماذا خرجت ؟ فيقول : خرجت لأتجر ، لكن ههنا فائدة معنوية ، وهي أنهم إنما قالوا في جواب ما خطبكم نهلكهم ؟ بأمر الله ، لتعلم براءتهم عن إيلام البريء ، وإهمال الردئ فأعادوا لفظ الإرسال ، وأما عن الثاني : نقول الحكاية قد تكون حكاية اللفظ ، كما تقول : قال زيد بعمرو مررت ، فيحكي لفظه المحكي ، وقد يكون حكاية لكلامه بمعناه تقول : زيد قال عمرو خرج ، ولك أن تبدل مرة أخرى في غير تلك الحكاية بلفظة أخرى ، فتقول لما قال زيد بكر خرج ، قلت كيت وكيت ، كذلك ههنا القرآن لفظ معجز ، وما صدر ممن تقدم نبينا عليه السلام سوا كان منهم ، وسواء كان منزلاً عليهم لم يكن لفظه معجزاً ، فيلزم أن لا تكون هذه الحكايات بتلك الألفاظ ، فكأنهم قالوا له : * ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) * وقالوا :