تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
تقديره سلام عليكم ، وكون المبتدأ نكرة يحتمل في قول القائل سلام عليكم وويل له ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره قال جوابه سلام ، ويحتمل أن يكون المراد قولاً يسلم به أو ينبئ عن السلامة فيكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أمي سلام بمعنى مسالمة لا تعلق بيني وبينكم لأني لا أعرفكم ، أو يكون المبتدأ قولكم ، وتقديره قولكم سلام ينبئ عن السلامة وأنتم قوم منكرون فما خطبكم فإن الأمر أشكل عليَّ وهذا ما يحتمل أن يقال في النصب والرفع ، وأما الفرق فنقول أما على التفسير المشهور وهو أن السلام في الموضعين بمعنى التحية فنقول الفرق بينهما من حيث اللفظ ومن حيث المعنى . أما من حيث اللفظ : فنقول سلام عليك إنما جوز واستحسن لكونه مبتدأ وهو نكرة ، من حيث إنه كالمتروك على أصله لأن الأصل أن يكون منصوباً على تقدير أسلم سلاماً وعليك يكون لبيان من أريد بالسلام ، ولا يكون لعليك حظ من المعنى غير ذلك البيان فيكون كالخارج عن الكلام ، والكلام التام أسلم سلاماً ، كما أنك تقول ضربت زيداً على السطح يكون على السطح خارجاً عن الفعل والفاعل والمفعول لبيان مجرد الظرفية ، فإذا كان الأمر كذلك وكان السلام والأدعية كثير الوقوع ، قالوا نعدل عن الجملة الفعلية إلى الإسمية ونجعل لعليك حظاً في الكلام ، فنقول سلام عليك ، فتصير عليك لفائدة لا بد منها ، وهي الخبرية ، ويترك السلام نكرة كما كان حال النصب ، إذا علم هذا فالنصب أصل والرفع مأخوذ منه ، والأصل مقدم على المأخوذ منه ، فقال : * ( قالوا سلاماً قال سلام ) * قدم الأصل على المتفرع منه . وأما من حيث المعنى : فذلك لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرد عليهم بالأحسن ، فأتى بالجملة الإسمية فإنها أدل على الدوام والاستمرار ، فإن قولنا جلس زيد لا ينبئ عنه لأن الفعل لا بد فيه من الإنباء عن التجدد والحدوث ولهذا لو قلت : الله موجود الآن لأثبت العقل الدوام إذ لا ينبئ عن التجدد ، ولو قال قائل : وجد الله الآن لكاد ينكره العاقل لما بينا فلما قالوا : سلاماً قال : سلام عليكم مستمر دائم ، وأما على قولنا المراد القول ذو السلامة فظاهر الفرق ، فإنهم قالوا قولاً ذا سلام ، وقال لهم إبراهيم عليه السلام : سلام أي قولكم ذو سلام وأنتم قوم منكرون فالتبس الأمر عليّ ، وإن قلنا المراد أمر مسالمة ومتاركة وهم سلموا عليه تسليماً ، فنقول فيه جمع بين أمرين : تعظيم جانب الله ، ورعاية قلب عباد الله ، فإنه لو قال : سلام عليكم وهو لم يعلم كونهم من عباد الله الصالحين كان يجوز أن يكونوا على غير ذلك ، فيكون الرسول قد أمنهم ، فإن السلام أمان وأمان الرسول أمان المرسل فيكون فاعلاً للأمر من غير إذن الله نيابة عن الله فقال : أنتم سلمتم عليّ وأنا متوقف أمري متاركة لا تعلق بيننا إلى أن يتبين الحال ويدل على هذا هو أن الله تعالى قال : * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * ( الفرقان : 63 ) وقال في مثل هذا المعنى للنبي صلى الله عليه وسلم : * ( فاصفح عنهم وقل سلام ) * ( الزخرف : 89 ) ولم يقل قل سلاماً ، وذلك لأن الأخيار المذكورين في القرآن لو
تفسير الرازي — صفحة 212 | فخر الدين الرازي