تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الله تعالى لما قدر أن يهلك قوماً كثيراً وجماً غفيراً ، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على عباده قال لهم بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف ما يهلك ، ويكون من صلبه خروج الأنبياء عليهم السلام . ثم قال تعالى : * ( إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما العامل في إذ ؟ فيه وجوه . أحدها : ما في المكرمين من الإشارة إلى الفعل إن قلنا وصفهم بكونهم مكرمين بناء على أن إبراهيم عليه السلام أكرمهم فيكون كأنه تعالى يقول : أكرموا إذ دخلوا ، وهذا من شأن الكريم أن يكرم ضيفه وقت الدخول . ثانيها : ما في الضيف من الدلالة على الفعل ، لأنا قلنا إن الضيف مصدر فيكون كأنه يقول : أضافهم إذ دخلوا . وثالثها : يحتمل أن يكون العامل فيه أتاك تقديره ما أتاك حديثهم وقت دخولهم ، فاسمع الآن ذلك ، لأن هل ليس للاستفهام في هذا الموضع حقيقة بل للإعلام ، وهذا أولى لأنه فعل مصرّح به ، ويحتمل أن يقال أذكر إذ دخلوا . المسألة الثانية : لماذا اختلف إعراب السلامين في القراءة المشهورة ؟ نقول : نبين أولاً وجوه النصب والرفع ، ثم نبيّن وجوه الاختلاف في الإعراب ، أما النصب فيحتمل وجوهاً : أحدها : أن يكون المراد من السلام هو التحية وهو المشهور ، ونصبه حينئذ على المصدر تقديره نسلم سلاماً . ثانيها : هو أن يكون السلام نوعاً من أنواع الكلام وهو كلام سلم به المتكلم من أن يلغو أو يأثم فكأنهم لما دخلوا عليه فقالوا حسناً سلموا من الإثم ، وحينئذ يكون مفعولاً للقول لأن مفعول القول هو الكلام ، يقال قال فلان كلاماً ، ولا يكون هذا من باب ضربه سوطاً لأن المضروب هناك ليس هو السوط ، وههنا القول هو الكلام فسره قوله تعالى : * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * ( الفرقان : 63 ) وقوله تعالى : * ( قيلا سلاماً سلاماً ) * ( الواقعة : 21 ) . ثالثها : أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره نبلغك سلاماً ، لا يقال على هذا إن المراد لو كان ذلك لعلم كونهم رسل الله عند السلام فما كان يقول : * ( قوم منكرون ) * ولا كان يقرب إليهم الطعام ، ولما قال : * ( نكرهم وأوجس ) * ( هود : 70 ) لأنا نقول جاز أن يقال إنهم قالوا : نبلغك سلاماً ولم يقولوا من الله تعالى إلى أن سألهم إبراهيم عليه السلام ممن تبلغون لي السلام ، وذلك لأن الحكيم لا يأتي بالأمر العظيم إلا بالتدريج فلما كانت هيبتهم عظيمة ، فلو ضموا إليه الأمر العظيم الذي هو السلام من الله تعالى لانزعج إبراهيم عليه السلام ، ثم إن إبراهيم عليه السلام اشتغل بإكرامهم عن سؤالهم وآخر السؤال إلى حين الفراغ فنكرهم بين السلام والسؤال عمن منه السلام هذا وجه النصب ، وأما الرفع فنقول يحتمل أن المراد منه السلام الذي هو التحية وهو المشهور أيضاً ، وحينئذ يكون مبتدأ خبره محذوف