تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
أحدها : * ( ما توعدون ) * أي ما توعدون لحق يؤيده قوله تعالى : * ( إنما توعدون لصادق ) * ( الذاريات : 5 ) وعلى هذا يعود كل ما قلناه من وجوه * ( ما توعدون ) * إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه هو هي . ثانيها : الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في قوله تعالى : * ( يؤفك عنه ) * ( الذاريات : 9 ) دليل هذه وعلى هذا فقوله : * ( مثل ما أنكم تنطقون ) * معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما أنكم تتكلمون وسنذكره . ثالثها : أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى : * ( وإن الدين لواقع ) * ( الذاريات : 6 ) . رابعها : أنه راجع إلى اليوم المذكور في قوله : * ( أيان يوم الدين ) * ( الذاريات : 12 ) يدل عليه وصف الله اليوم بالحق في قوله تعالى : * ( ذلك اليوم الحق ) * ( النبأ : 39 ) . خامسها : أنه راجع إلى القول الذي يقال : * ( هذا الذي كنتم به تستعجلون ) * ( الذاريات : 14 ) وفي التفسير مباحث : الأول : الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم ؟ نقول فيه وجهان . أحدهما : الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول : إن ما توعدون لحق بالبرهان المبين ، ثم بالقسم واليمين . ثانيهما : القسم المتقدم كأنه تعالى يقول : * ( والذاريات ) * ثم * ( ورب السماء والأرض ) * وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد معه حرف القسم كما يعاد الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو ، فقوله : * ( والذاريات ذرواً * فالحاملات وقراً ) * ( الذاريات : 1 ، 2 ) عطف من غير إعادة حرف القسم ، وقوله : * ( فورب السماء ) * مع إعادة حرفه ، والسبب فيه وقوع الفصل بين القسمين ، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب في قوله : * ( يوم هم على النار يفتنون ) * ( الذاريات : 13 ) وقوله : * ( إن المتقين في جنّات ) * ( الذاريات : 15 ) وفيه فائدة ، وهو أن الفاء تكون تنبيهاً على أن لا حاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين ، فكأنه يقول ورب السماء والأرض إنه لحق ، كما يقول القائل بعدما يظهر دعواه هذا والله إن الأمر كما ذكرت فيؤكد قوله باليمين ، ويشير إلى ثبوته من غير يمين . البحث الثاني : أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهي الرياح وبالسماء في قوله : * ( والسماء ذات الحبك ) * ( الذاريات : 7 ) ولم يقسم بربها ، وههنا أقسم بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولاً بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقي إلى الأعلى ، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك ، والله لا يكفر وإذا قال : والله وحياتك لا شك يكفر وهذا استشهاد ، وإن كان الأمر على خلاف ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب ، أو باللفظ الظاهر في أمر القلب ، أو بالفعل الظاهر ، وما ذكره ليس بظاهر في تعظيم جانب غير الله ، والعجب من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير في الذكر مفيداً للترتيب في الوضوء وغيره . البحث الثالث : قرىء مثل بالرفع وحينئذ يكون وصفاً لقوله لحق ومثل وإن أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جواز وصف المنكر به ، تقول رأيت رجلاً مثل عمرو ، لأنه لا يفيده تعريفاً لأنه في غاية الإبهام وقرئ : * ( مثل ) * بالنصب ، ويحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون مفتوحاً لإضافته إلى ما هو ضعيف وإلا جاز أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه . ثانيهما : أن يكون