تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
أن يكون الزمان ظرفاً لظرف آخر ، وههنا جعل أيان ظرف اليوم فقال : * ( أيان يوم الدين ) * ويقال متى يقدم زيد ، فيقال : يوم الجمعة ولا يقال : متى يوم الجمعة ، فالجواب : التقدير متى يكون يوم الجمعة وأيان يكون يوم الدين ، وأيان من المركبات ركب من أي التي يقع بها الاستفهام وآن التي هي الزمان أو من أي وأوان فكأنه قال أي أوان فلما ركب بني وهذا منهم جواب لقوله : * ( وإن الدين لواقع ) * فكأنهم قالوا أيان يقع استهزاء وترك المسؤول في قوله : * ( يسألون ) * حيث لم يقل يسألون من ، يدل على أن غرضهم ليس بالجواب وإنما يسألون استهزاء . وقوله تعالى : * ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) * . يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون جواباً عن قولهم * ( أيان ) * يقع وحينئذ كما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب لحصول العلم كذلك لم يجبهم جواب مجيب معلم مبين حيث قال : * ( يوم هم على النار يفتنون ) * وجهلهم بالثاني أقوى من جهلهم بالأول ، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى ، فإذا قال قائل متى يقدم زيد فلو قال المجيب يوم يقدم رفيقه ولا يعلم يوم قدوم الرفيق ، لا يصح هذا الجواب إلا إذا كان الكلام في صورة جواب ، ولا يكون جواباً كما أن القائل إذا قال كم تعد عداتي تخلفها إلى متى هذا الإخلاف فيغضب ويقول إلى أشأم يوم عليك ، الكلامان في صورة سؤال وجواب ولا الأول يريد به السؤال ، ولا الثاني يريد به الجواب ، فكذلك ههنا قال : * ( يوم هم على النار يفتنون ) * مقابلة استهزائهم بالإيعاد لا على وجه الإتيان . والثاني : أن يكون ذلك ابتداء كلام تمامه . في قوله تعالى : * ( ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ) * . فإن قيل : هذا يفضي إلى الإضمار ، نقول الإضمار لا بد منه لأن قوله : * ( ذوقوا فتنتكم ) * غير متصل بما قبله إلا بإضمار ، يقال : ويفتنون قيل معناه : يحرقون ، والأولى أن يقال معناه يعرضون على النار عرض المجرب الذهب على النار كلمة على تناسب ذلك ، ولو كان المراد يحرقون لكان بالنار أو في النار أليق لأن الفتنة هي التجربة ، وأما ما يقال من اختبره ومن أنه تجربة الحجارة فعنى بذلك المعنى مصدر الفتن ، وههنا يقال : * ( ذوقوا فتنتكم ) * والفتنة الامتحان ، فإن قيل : فإذا جعلت * ( يوم هم على النار يفتنون ) * مقولاً لهم * ( ذوقوا فتنتكم ) * فما قوله : * ( هذا الذي كنتم به تستعجلون ) * ؟ قلنا : يحتمل أن يكون المراد كنتم تستعجلون بصريح القول كما في قوله تعالى حكاية عنهم : * ( ربنا عجل لنا قطناً ) * ( ص : 16 ) وقوله : * ( فأتنا بما تعدنا ) * ( الأعراف : 70 ) إلى غير ذلك يدله عليه ههنا قوله تعالى : * ( يسألون أيان يوم الدين ) * ( الذاريات : 12 ) فإنه نوع استعجال ، ويحتمل أن يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو الإصرار على العناد وإظهار الفساد فإنه يعجل العقوبة .