ثم قال تعالى :
* ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) * .
بعد بيان حال المغترين المجرمين بين حال المحق المتقي ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا أن المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك ، وأعلاها أن يتقي ما سوى الله ، وأدنى درجات المتقي الجنة ، فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة فيرزق نعيمها .
المسألة الثانية : الجنة تارة وحدها كما قال تعالى : * ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) * ( الرعد : 35 ) وأخرى جمعها كما في هذا المقام قال : * ( إن المتقين في جنّات ) * وتارة ثناها فقال تعالى : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما الجنة عند التوحيد فلأنها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة ، وأما حكمة الجمع فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إلى جنانها جنات لا يحصرها عدد ، وأما التثنية فسنذكرها في سورة الرحمن غير أنا نقول ههنا الله تعالى عند الوعد وحَّد الجنة ، وكذلك عند الشراء حيث قال : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) * ( التوبة : 111 ) وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة والخلاف ما لو وعد بجنات ، ثم كان يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود .
الثالثة : قوله تعالى : * ( وعيون ) * يقتضي أن يكون المتقي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماء أو غير ذلك من المائعات ، نقول معناه في خلال العيون ، وذلك بين الأنهار بدليل أن قوله تعالى : * ( في جنّات ) * ليس معناه إلا بين جنات وفي خلالها لأن الجنة هي الأشجار ، وإنما يكون بينها كذلك القول في العيون والتنكير ، مع أنها معرفة للتعظيم يقال فلان رجل أي عظيم في الرجولية .
* ( ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ) * .
وقوله تعالى : * ( آخذين ما آتاهم ربهم ) * فيه مسائل ولطائف ، أما المسائل :
فالأولى منها : ما معنى آخذين ؟ نقول فيه وجهان .
أحدهما : قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له .
ثانيها : آخذين قابلين قبول راض كما قال تعالى : * ( ويأخذ الصدقات ) * ( التوبة : 104 ) أي يقبلها ، وهذا ذكره الزمخشري وفيه وجه ثالث : وهو أن قوله : * ( في جنّات ) * يدل على السكنى فحسب وقوله : * ( آخذين ) * يدل على التملك ولذا يقال أخذ بلاد كذا وقلعة كذا إذا دخلها متملكاً لها ، وكذلك يقال لمن اشترى داراً أو بستاناً أخذه بثمن قليل أي تملكه ، وإن لم يكن هناك قبض حساً ولا قبول برضا ، وحينئذ فائته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعير أو ضعف يسترد منه ذلك ، بل هو ملكه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله تعالى وقوله : * ( آتاهم ) * يكون لبيان أن أخذهم ذلك لم يكن عنوة وفتوحاً ، وإنما كان بإعطاء الله تعالى ، وعلى هذا الوجه * ( ما ) * راجعة إلى الجنّات والعيون .
تفسير الرازي — صفحة 200
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٠