تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
المسألة الأولى : قال تعالى : * ( أدخلوها بسلام ) * ( ق : 34 ) على سبيل المخاطبة ، ثم قال : * ( لهم ) * ولم يقل لكم ما الحكمة فيه ؟ الجواب : عنه من وجوه . الأول : هو أن قوله تعالى : * ( أدخلوها ) * مقدر فيه يقال لهم ، أي يقال لهم * ( أدخلوها ) * فلا يكون على هذا التفاتاً . الثاني : هو أنه من باب الالتفات والحكمة الجمع بين الطرفين ، كأنه تعالى يقول : أكرمهم به في حضورهم ، ففي حضورهم الحبور ، وفي غيبتهم الحور والقصور . والثالث : هو أن يقال قوله تعالى : * ( لهم ) * جاز أن يكون كلاماً مع الملائكة ، يقول للملائكة : توكلوا بخدمتهم ، واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها ، فأحضروا بين أيديهم ما يشاءون ، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ، ولا تقدرون أنتم عليه . المسألة الثانية : قد ذكرنا أن لفظ * ( مزيد ) * ( ق : 30 ) يحتمل أن يكون معناه الزيادة ، فيكون كما في قوله تعالى : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، أي عندنا ما نزيده على ما يرجون وما يكون مما يشتهون : * ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِى الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ) * . ثم قال تعالى : * ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً ) * . لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم ، أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك ، وبين لهم حال من تقدمهم ، وقد تقدم تفسيره في مواضع ، والذي يختص بهذا الموضع أمور . أحدها : إذا كان ذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل ، فلم توسطهما قوله تعالى : * ( وأزلفت الجنة للمتقين ) * إلى قوله : * ( ولدينا مزيد ) * ( ق : 31 - 35 ) نقول ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع ، فذكر حال الكفور المعاند ، وحال الشكور العابد في الآخرة ترهيباً وترغيباً ، ثم قال تعالى : إن كنتم في شك من العذاب الأبدي الدائم ، فما أنتم في ريب من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك أمثالكم ، فإن قيل : فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة ، كما جمع بينهما في الآجلة ، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه ، كما ذكر حال من أشرك به فأهلكه نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم ، وكانوا متقلبين في النعم ، فلم يذكرهم به ، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم به ، وأما في الآخرة ، فكانوا غافلين عن الأمرين جميعاً ، فأخبرهم بهما . الثاني : قوله تعالى : * ( فنقبوا في البلاد ) * . في معناه وجوه . أحدها : هو ما قاله تعالى في حق ثمود : * ( الذين جابوا الصخر بالواد ) * ( الفجر : 9 ) من قوتهم خرق الطرق ونقبوها ، وقطعوا الصخور وثقبوها . ثانيها : نقبوا ، أي ساروا في الأسفار ولم يجدوا ملجأً ومهرباً ، وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة ، أي هم ساروا في الأسفار ، ورأوا ما فيها من الآثار . ثالثها : * ( فنقبوا في البلاد ) * أي صاروا نقباء في الأرض أراد ما أفادهم
تفسير الرازي — صفحة 181 | فخر الدين الرازي