تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
لم يقدر الله أن يضر لا يقدر على الضرر وإن قدر عليه بتقدير الله فسيزول الضرر بموت المعذب أو المعذب ، وأما الله تعالى فلا راد لما أراد ولا آخر لعذابه ، وقال تعالى : * ( بالغيب ) * أي كانت خشيتهم قبل ظهور الأمور حيث ترى رأي العين ، وقوله تعالى : * ( وجاء بقلب منيب ) * إشارة إلى صفة مدح أخرى ، وذلك لأن الخاشي قد يهرب ويترك القرب من المخشي ولا ينتفع ، وإذا علم المخشي أنه تحت حكمه تعالى علم أنه لا ينفعه الهرب ، فيأتي المخشي وهو ( غير ) خاش فقال : * ( وجاء ) * ولم يذهب كما يذهب الآبق ، وقوله تعالى : * ( بقلب منيب ) * الباء فيه يحتمل وجوهاً ذكرناها في قوله تعالى : * ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) * ( ق : 19 ) . أحدها : التعدية أي أحضر قلباً سليماً ، كما يقال ذهب به إذا أذهبه . ثانيها : المصاحبة يقال : اشترى فلان الفرس بسرجه أي مع سرجه ، وجاء فلان بأهله أي مع أهله . ثالثها : وهو أعرفها الباء للسبب يقال : ما أخذ فلان إلا بقول فلان وجاء بالرجاء له فكأنه تعالى قال : جاء وما جاء إلا بسبب إنابة في قلبه علم أنه لا مرجع إلا إلى الله فجاء بسبب قلبه المنيب ، والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى : * ( إذا جاء ربه بقلب سليم ) * ( الصافات : 84 ) أي سليم من الشرك ، ومن سلم من الشرك يترك غير الله ويرجع إلى الله فكان منيباً ، ومن أناب إلى الله برئ من الشرك فكان سليماً : * ( ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ ) * . ثم قال تعالى : * ( أدخلوها بسلام ) * . فالضمير عائد إلى الجنة التي في * ( وأزلفت الجنة ) * ( ق : 31 ) أي لما تكامل حسنها وقربها وقيل لهم إنها منزلكم بقوله : * ( هذا ما توعدون ) * ( ق : 32 ) أذن لهم في دخولها وفيه مسائل : المسألة الأولى : الخطاب مع من ؟ نقول : إن قرىء * ( ما توعدون ) * بالتاء فهو ظاهر إذ لا يخفى أن الخطاب مع الموعودين ، وإن قرىء بالياء فالخطاب مع المتقين أي يقال للمتقين أدخلوها . المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك يتوقف على الإذن ، وفيه من الانتظار ما لا يليق بالإكرام ، نقول ليس كذلك ، فإن من دعا مكرماً إلى بستانه يفتح له الباب ويجلس في موضعه ، ولا يقف على الباب من يرحبه ، ويقول إذا بلغت بستاني فأدخله ، وإن لم يكن هناك أحد يكون قد أخل بإكرامه بخلاف من يقف على باب قوم يقولون : أدخل باسم الله ، يدل على الإكرام قوله تعالى : * ( بسلام ) * كما يقول المضيف : أدخل مصاحباً بالسلامة والسعادة والكرامة ، والباء للمصاحبة في معنى الحال ، أي سالمين مقرونين بالسلامة ، أو معناه أدخلوها مسلماً عليكم ، ويسلم الله وملائكته عليكم ، ويحتمل عندي وجهاً آخر ، وهو أن يكون ذلك إرشاداً للمؤمنين إلى مكارم الأخلاق في ذلك اليوم كما أرشدوا إليها في الدنيا ، حيث قال تعالى : * ( لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) * ( النور : 27 ) فكأنه تعالى قال : هذه داركم ومنزلكم ، ولكن