لا تتركوا حسن
عادتكم ، ولا تخلوا بمكارم أخلاقكم ، فادخلوها بسلام ، ويصيحون سلاماً على من فيها ، ويسلم ممن فيها عليهم ، ويقولون السلام عليكم ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( إلا قيلاً سلاماً سلاماً ) * ( الواقعة : 26 ) أي يسلمون على من فيها ، ويسلم من فيها عليهم ، وهذا الوجه إن كان منقولاً فنعم ، وإن لم يكن منقولاً فهو مناسب معقول أيده دليل منقول .
قوله تعالى : * ( ذلك يوم الخلود ) * .
حتى لا يدخل في قلبهم أن ذلك ربما ينقطع عنهم فتبقى في قلبهم حسرته ، فإن قيل المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها ، فما الفائدة في التذكير ؟ والجواب : عنه من وجهين . أحدهما : أن قوله : * ( ذلك يوم الخلود ) * قول قاله الله في الدنيا إعلاماً وإخباراً ، وليس ذلك قولاً يقوله عند قوله : * ( ادخلوها ) * فكأنه تعالى أخبرنا في يومنا أن ذلك اليوم يوم الخلود . ثانيهما : اطمئنان القلب بالقول أكثر ، قال الزمخشري في قوله : * ( يوم الخلود ) * إضمار تقديره : ذلك يوم تقدير الخلود ، ويحتمل أن يقال اليوم يذكر ، ويراد الزمان المطلق سواء كان يوماً أو ليلاً ، نقول : يوم ولد لفلان ابن يكون السرور العظيم ، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلاً ، فتريد به الزمان ، فكأنه تعالى قال : ذلك زمان الإقامة الدائمة . ثم قال تعالى :
* ( لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) * .
وفي الآية ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى بدأ ببيان إكرامهم حيث قال : * ( وأزلفت الجنة للمتقين ) * ( الشعراء : 90 ) ولم يقل : قرب المتقون من الجنة بياناً للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان بما فيها من الحسان ، ثم قال لهم هذا لكم ، بقوله : * ( هذا ما توعدون ) * ( ق : 32 ) ثم بيّن أنه أجر أعمالهم الصالحة بقوله : * ( لكل أواب حفيظ * ( ، وقوله : * ( من خشي الرحمن ) * ( ق : 33 ) فإن تصرف المالك الذي ملك شيئاً بعوض أتم فيه من تصرف من ملك بغير عوض ، لإمكان الرجوع في التمليك بغير عوض ، ثم زاد في الإكرام بقوله : * ( أدخلوها ) * ( ق : 34 ) كما بينا أن ذلك إكرام ، لأن من فتح بابه للناس ، ولم يقف ببابه من يرحب الداخلين ، لا يكون قد أتى بالإكرام التام ، ثم قال : * ( ذلك يوم الخلود ) * ( ق : 34 ) أي لا تخافوا ما لحقكم من قبل حيث أخرج أبويكم منها ، فهذا دخول لا خروج بعده منها .
ثم لما بيّن أنهم فيها خالدون قال : لا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم في حاجة ، كما كنتم في الدنيا من كان يعمر ينكس ويحتاج ، بل لكم الخلود ، ولا ينفد ما تمتعون به فلكم ما تشاءون في أي وقت تشاءون ، وإلى الله المنتهى ، وعند الوصول إليه ، والمثول بين يديه ، فلا يوصف ما لديه ، ولا يطلع أحد عليه ، وعظمة من عنده تدلك على فضيلة ما عنده ، هذا هو الترتيب ، وأما التفسير ، ففيه مسألتان :
تفسير الرازي — صفحة 180
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٠