الأولى إنما فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام من بني آدم ، وتصحيحاً لما قال : * ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) * ( ص : 82 ) ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغواء عذاب ، كما قال تعالى : * ( فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك ) * ( ص : 84 ، 85 ) فيقول * ( ربنا ما أطغيته ) * فيرجع عن مقالته عند ظهور العذاب .
المسألة الثانية : قال ههنا * ( قال قرينه ) * من غير واو ، وقال في الآية الأولى * ( وقال قرينه ) * ( ق : 23 ) بالواو العاطفة ، وذلك لأن في الأول الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين ، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق ، ويقول الشهيد ذلك القول ، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو ، والفاء في قوله * ( فألقياه في العذاب ) * ( ق : 26 ) لا يناسب قوله تعالى : * ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) * مناسبة مقتضية للعطف بالواو .
المسألة الثالثة : القائل ههنا واحد ، وقال * ( ربنا ) * ولم يقل رب ، وفي كثير من المواضع مع كون القائل واحداً ، قال رب ، كما في قوله * ( قال رب أرني أنظر إليك ) * ( الأعراف : 143 ) وقول نوح * ( رب اغفر لي ) * ( نوح : 28 ) وقوله تعالى : * ( قال رب السجن أحب إلي ) * ( يوسف : 33 ) وقوله * ( قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ) * ( التحريم : 11 ) إلى غير ذلك ، وقوله تعالى : * ( قال رب أنظرني إلى يوم يبعثون ) * ( ص : 79 ) نقول في جميع تلك المواضع القائل طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب : يا رب عمرني واخصصني وأعطني كذا ، وإنما يقول : أعطنا لأن كونه رباً لا يناسب تخصيص الطالب ، وأما هذا الموضع فموضع الهيبة والعظمة وعرض الحال دون الطلب فقال : * ( ربنا ما أطغيته ) * .
وقوله تعالى : * ( ولكن كان في ضلال بعيد ) * . يعني أن ذلك لم يكن بإطغائه ، وإنما كان ضالاً متغلغلاً في الضلال فطغى ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعيد ؟ نقول الضال يكون أكثر ضلالاً عن الطريق ، فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيراً ، وإذا علم الضلال قصر في الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيراً ، فقوله * ( ضلال بعيد ) * وصف المصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال كلام صادق وعيشة راضية أي ضلال ذو بعد ، والضلال إذا بعد مداه وامتد الضال فيه يصير بيناً ويظهر الضلال ، لأن من حاد عن الطريق وأبعد عنه تتغير عليه السمات والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق ، وربما يقع في أودية ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلاً ، فالضلال وصفه الله تعالى بالوصفين في كثير من المواضع فقال تارة في ضلال مبين وأخرى قال : * ( في ضلال بعيد ) * .
المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( ولكن كان في ضلال بعيد ) * إشارة إلى قوله * ( إلا عبادك منهم
تفسير الرازي — صفحة 168
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٨