تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
الكفران ، ويحتمل أن يكون من الكفر ، فيكون بمعنى شديد الكفر ، والتشديد في لفظة فعال يدل على شدة في المعنى ، والعنيد فعيل بمعنى فاعل من عند عنوداً ومنه العناد ، فإن كان الكفار من الكفران ، فهو أنكر نعم الله مع كثرتها . * ( مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ) * . وقوله تعالى : * ( مناع للخير ) * . فيه وجهان أحدهما : كثير المنع للمال الواجب ، وإن كان من الكفر ، فهو أنكر دلائل وحدانية الله مع قوتها وظهورها ، فكان شديد الكفر عنيداً حيث أنكر الأمر اللائح والحق الواضح ، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند كل نعمة عنيد ينكرها مع كثرتها عن المستحق الطالب ، والخير هو المال ، فيكون كقوله تعالى : * ( وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة ) * ( فصلت : 6 ، 7 ) حيث بدأ ببيان الشرك ، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفران ، كأنه يقول : كفر أنعم الله تعالى ، ولم يؤد منها شيئاً لشكر أنعمه وثانيهما : شديد المنع من الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض من أن يدخل في قلوب العباد ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه يقول : كفر بالله ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير . وقوله تعالى : * ( معتد ) * . فيه وجهان أحدهما : أن يكون قوله * ( معتد ) * مرتباً على * ( مناع ) * بمعنى مناع الزكاة ، فيكون معناه لم يؤد الواجب ، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضاً بالربا والسرقة ، كما كان عادة المشركين وثانيهما : أن يكون قوله * ( معتد ) * مرتباً على * ( مناع ) * بمعنى منع الإيمان ، كأنه يقول : منع الإيمان ولم يقنع به حتى تعداه ، وأهان من آمن وآذاه ، وأعان من كفر وآواه . وقوله تعالى : * ( مريب ) * . فيه وجهان أحدهما : ذو ريب ، وهذا على قولنا : الكفار كثير الكفران ، والمناع مانع الزكاة ، كأنه يقول : لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة ، والثواب فيقول : لا أقرب مالاً من غير عوض وثانيهما : * ( مريب ) * يوقع الغير في الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعاً ، وفي الآية ترتيب آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى الله ، وإلى رسول الله ، وإلى اليوم الآخر ، فقوله * ( كفار عنيد ) * إشارة إلى حاله مع الله يكفر بعد ويعاند آياته ، وقوله * ( مناع للخير معتد ) * إشارة إلى حاله مع رسول الله ، فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعدى بالإيذاء وكثرة الهذاء ، وقوله * ( مريب ) * إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله تعالى : * ( ألقيا
تفسير الرازي — صفحة 166 | فخر الدين الرازي