تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم كصوم جمع صائم ، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء فائدة : وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسبة إلى الرجال ، لأن المرأة في نفسها ضعيفة ، فإذا لم يلتفت الرجال إليها لا يكون لها أمر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " النساء لحم على وضم إلا ما رددت عنه " وأما المرأة فلا يوجد منها استحقار الرجل وعدم التفاتها إليه لاضطرارها في دفع حوائجها ( إليه ) ، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فيوجد فيهم هذا النوع من القبح وهذا أشهر . المسألة الثانية : قال في الدرجة العالية التي هي نهاية المنكر * ( عسى أن يكونوا خيراً منهم ) * كسراً له وبغضاً لنكره ، وقال في المرتبة الثانية * ( لا تلمزوا أنفسكم ) * جعلهم كأنفسهم لما نزلوا درجة رفعهم الله درجة وفي الأول جعل المسخور منه خيراً ، وفي الثاني جعل المسخور منه مثلاً ، وفي قوله * ( عسى أن يكونوا خيراً منهم ) * حكمة وهي أنه وجد منهم النكر الذي هو مفض إلى الإهمال وجعل نفسه خيراً منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال : * ( أنا خير منه ) * ( الأعراف : 12 ) فصار هو خيراً ، ويمكن أن يقال المراد من قوله * ( أن يكونوا ) * يصيروا فإن من استحقر إنساناً لفقره أو وحدته أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ، ويضعف هو ويقوى الضعيف . المسألة الثالثة : قال تعالى : * ( قوم من قوم ) * ولم يقل نفس من نفس ، وذلك لأن هذا فيه إشارة إلى منع التكبر والمتكبر في أكثر الأمر يرى جبروته على رؤوس الأشهاد ، وإذا اجتمع في الخلوات مع من لا يلتفت إليه في الجامع يجعل نفسه متواضعاً ، فذكرهم بلفظ القوم منعاً لهم عما يفعلونه . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( ولا تلمزوا أنفسكم ) * فيه وجهان أحدهما : أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا عاب عائب نفساً فكأنما عاب نفسه وثانيهما : هو أنه إذا عابه وهو لا يخلو من عيب يحاربه المعيب فيعيبه فيكون هو بعيبه حاملاً للغير على عيبه وكأنه هو العائب نفسه وعلى هذا يحمل قوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * ( النساء : 29 ) أي إنكم إذا قتلتم نفساً قتلتم فتكونوا كأنكم قتلتم أنفسكم ويحتمل وجهاً آخر ثالثاً وهو أن تقول لا تعيبوا أنفسكم أي كل واحد منكم فإنكم إن فعلتم فقد عبتم أنفسكم ، أي كل واحد عاب كل واحد فصرتم عائبين من وجه معيبين من وجه ، وهذا الوجه ههنا ظاهر ولا كذلك في قوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * . المسألة الخامسة : إن قيل قد ذكرتم أن هذا إرشاد للمؤمنين إلى ما يجب أن يفعله المؤمن عند حضوره بعد الإشارة إلى ما يفعله في غيبته ، لكن قوله تعالى : * ( ولا تلمزوا ) * قيل فيه بأنه العيب خلف الإنسان والهمز هو العيب في وجه الإنسان ، نقول ليس كذلك بل العكس أولى ، وذلك لأنا إذا نظرنا إلى قلب الحروف دللن على العكس ، لأن لمز قلبه لزم وهمز قلبه هزم ، والأول : يدل على القرب ، والثاني : على البعد ، فإن قيل اللمز هو الطعن والعيب في الوجه كان أولى مع أن كل واحد
تفسير الرازي — صفحة 132 | فخر الدين الرازي