تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
من الجرم وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد وهو التفريق ، وكما أن معنى لا بد أنك تفعل كذا أنه لا بد لك من فعله ، فكذلك * ( لا جرم أن لهم النار ) * ( النحل : 62 ) أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام ، أي لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقل حقاً ، وروي عن بعض العرب لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء بزنة بد وفعل إخوان كرشد ورشد وكعدم وعدم هذا كله ألفاظ صاحب " الكشاف " . ثم قال : * ( أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ) * والمراد أن الأوثان التي تدعونني إلى عبادتها ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وفي تفسير هذه الدعوة احتمالان . الأول : أن المعنى ما تدعونني إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنه جمادات والجمادات لا تدعو أحداً إلى عبادة نفسها وقوله * ( في الآخرة ) * يعني أنه تعالى إذا قلبها حيواناً في الآخرة فإنها تتبرأ من هؤلاء العابدين . والاحتمال الثاني : أن يكون قوله * ( ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ) * معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، فسميت استجابة الدعوة بالدعوة إطلاقاً لاسم أحد المتضايقين على الآخر ، كقوله * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) ثم قال : * ( وأن مردنا إلى الله ) * فبين أن هذه الأصنام لا فائدة فيها البتة ، ومع ذلك فإن مردنا إلى الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات الغني عن كل الحاجات الذي لا يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد ، فأي عاقل يجوز له عقله أن يشتغل بعبادة تلك الأشياء الباطلة وأن يعرض عن عبادة هذا الإله الذي لا بد وأن يكون مرده إليه ؟ وقوله * ( وأن المسرفين هم أصحاب النار ) * قال قتادة يعني المشركين وقال مجاهد السفاكين للدماء والصحيح أنهم أسرفوا في معصية الله بالكلمة والكيفية ، أما الكمية فالدوام وأما الكيفية فبالعود والإصرار ، ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال : * ( فستذكرون ما أقول لكم ) * وهذا كلام مبهم يوجب التخويف ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الذكر يحصل في الدنيا وهو وقت الموت ، وأن يكون في القيامة وقت مشاهدة الأهوال وبالجملة فهو تحذير شديد ، ثم قال : * ( وأفوض أمري إلى الله ) * وهذا كلام من هدد بأمر يخافه فكأنهم خوفوه بالقتل وهو أيضاً خوفهم بقوله * ( فستذكرون ما أقول لكم ) * ثم عول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على فضل الله تعالى فقال : * ( وأفوض أمري إلى الله ) * وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام ، فإن فرعون لما خوفه بالقتل رجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله حيث قال : * ( إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ) * ( غافر : 27 ) فتح نافع وأبو عمرو الياء من * ( أمري ) * والباقون بالإسكان . ثم قال : * ( إن الله بصير بالعباد ) * أي عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم ، وتمسك أصحابنا بقوله تعالى : * ( وأفوض أمري إلى الله ) * على أن الكل من الله ، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير