ليس بمؤمن فلا يدخل في هذا الوعد والجواب : أنا بينا في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * ( البقرة : 3 ) أن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام ، واختلفوا في تفسير قوله * ( يرزقون فيها بغير حساب ) * فمنهم من قال لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب ، وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام التفضل ما يخرج عن الحساب وقوله * ( بغير حساب ) * واقع في مقابلة * ( إلا مثلها ) * يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير ، لئلا يزيد على الاستحقاق ، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة ، وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب القهر والعقاب ، فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد ، وجب أن يكون الترجيح بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة ، ثم استأنف ذلك المؤمن ونادى في المرة الثالثة وقال : * ( يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ) * يعني أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة وتدعونني إلى الكفر الذي يوجب النار ، فإن قيل لم كرر نداء قومه ، ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ؟ قلنا أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ من سنة الغفلة ، وإظهار أن له بهذا المهم مزيد اهتمام ، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة ، وأما المجيء بالواو العاطفة فلأن الثاني يقرب من أن يكون عين الأول ، لأن الثاني بيان للأول والبيان عين المبين ، وأما الثالث فلأنه كلام مباين للأول والثاني فحسن إيراد الواو العاطفة فيه ، ولما ذكر هذا المؤمن أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار ، فسّر ذلك بأنهم يدعونه إلى الكفر بالله وإلى الشرك به ، أما الكفر بالله فلأن الأكثرين من قوم فرعون كانوا ينكرون وجود الإله ، ومنهم من كان يقر بوجود الله إلا أنه كان يثبت عبادة الأصنام وقوله تعالى : * ( وأشرك به ما ليس لي به علم ) * المراد بنفي العلم نفي المعلوم ، كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله ؟ ولما بيّن أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بيّن أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغفار فقوله * ( العزيز ) * إشارة إلى كونه كامل القدرة ، وفيه تنبيه على أن الإله هو الذي يكون كامل القدرة ، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلهاً ، وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل القول بكونها آلهة وقوله * ( الغفار ) * إشارة إلى أنه لا يجب أن يكونوا آيسين من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة ، فإن إله العالم وإن كان عزيزاً لا يغلب قادراً لا يغالب ، لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة ، ثم قال ذلك المؤمن * ( لا جرم ) * والكلام في تفسير لا جرم مرّ في سورة هود في قوله * ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) * ( هود : 22 ) وقد أعاده صاحب " الكشاف " ههنا فقال * ( لا جرم ) * مساقه على مذهب البصريين أن يجعل ( لا ) رداً لما دعاه إليه قومه و * ( جرم ) * فعل بمعنى حق و * ( أنما ) * مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسب من قوله تعالى : * ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ) * ( المائدة : 2 ) أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ، ويجوز أن يقال إن * ( لا جرم ) * نظيره لا بد فعل
تفسير الرازي — صفحة 70
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٧٠