تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) * واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال : * ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) * ( غافر : 33 ) ذكر لهذا مثلاً ، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة ، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا يدل على أن من أضله الله فما له من هاد وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ونقل صاحب " الكشاف " يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة ، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حياً إلى زمانه وقيل فرعون آخر ، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوف جاء قومه بالبينات ، وفي المراد بها قولان الأول : أن المراد بالبينات قوله * ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) * ( يوسف : 39 ) ، والثاني : المراد بها المعجزات ، وهذا أولى ، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين ، ولم ينتفعوا البتة بتلك البينات ، فلما مات قالوا إنه * ( لن يبعث الله من بعده رسولاً ) * وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة وبرهان ، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساساً لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم * ( ين يبعث الله من بعد رسولاً ) * لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموماً إلى تكذيب رسالته ، ثم قال : * ( كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) * أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه ، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم ، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين ، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين ، فإن الله تعالى لا يضله . ثم بيّن تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال : * ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ) * أي بغير حجة ، بل إما بناء على التقليد المجرد ، وإما بناء على شبهات خسيسة * ( كبر مقتاً عند الله ) * والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغاً عظيماً فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن الجدال بلا حجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد .