تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
والأرض ) * ظن أنه عنى أنه رب السماوات ، كما يقال للواحد منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكناً فيه ، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه ، وهذا ليس بمستبعد ، فإن فرعون كان بلغ في الجهل والحماقة إلى حيث لا يبعد نسبة هذا الخيال إليه ، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك لائقاً بهم ، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه . وأما قوله إن فطرة فرعون شهدت بأن الإله لو كان موجوداً لكان في السماء ، قلنا نحن لا ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة ذلك لا سيما من بلغ في الحماقة إلى درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط . المسألة الثانية : اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السماء أم لا ؟ أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك ، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح ، والذي عندي أنه بعيد والدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من المجانين أو كان من العقلاء ، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه ، لأن العقل شرط في التكليف ، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن ، وإما إن قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي ، ويعلم أيضاً ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال ، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء ، وإذا كان فساد هذا معلوماً بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون ، والذي عندي في تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال : إنا لا نرى شيئاً نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله ، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجوداً لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السماوات فكيف يمكننا أن نراه ، ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السماوات * ( قال يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب ) * والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعاً ، ونظيره قوله تعالى : * ( فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ) * ( الأنعام : 35 ) وليس المراد منه أن محمداً صلى الله عليه وسلم طلب نفقاً في الأرض أو وضع سلماً إلى السماء ، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود ، فكذا ههنا غرض فرعون من قوله * ( يا هامان ابن لي صرحاً ) * يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعاً ، فحينئذٍ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب . واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر ، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب ، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّن لفرعون
تفسير الرازي — صفحة 65 | فخر الدين الرازي