تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة * ( وما أهديكم ) * بهذا الرأي * ( إلا سبيل الرشاد ) * والصلاح ، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال : * ( إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) * . وأعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ، ولهذا السبب حصل ههنا قولان الأول : أن فرعون لما قال : * ( ذروني أقتل موسى ) * ( غافر : 26 ) لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى ، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل ، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات ، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه ، لأن على هذا التقدير إن كان كاذباً كان وبال كذبه عائداً إليه ، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه ، ثم أكد ذلك بقوله * ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) * ( غافر : 28 ) يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب ، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله * ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) * أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون * ( ذروني أقتل موسى ) * أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى ، وشافه فرعون بالحق . واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعاً من الكلمات ذكرها لفرعون الأول : قوله * ( يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) * والتقدير مثل أيام الأحزاب ، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد ثمود ، فحينئذٍ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء ، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس ، ثم فسّر قوله * ( إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) * بقوله * ( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ) * ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي ، فيكون ذلك دائباً ودائماً لا يفترون عنه ، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم ، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا ، ثم خوفهم أيضاً بهلاك الآخرة ، وهو قوله * ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) * والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة . والنوع الثاني : من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى : * ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) * يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً ، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء ، فتلك الجملة قائمة ههنا ، فوجب حصول الحكم ههنا ، قالت المعتزلة : * ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) * يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً ، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد ، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم البتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ، لأنه لو خلقها لأرادها ، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم ، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك
تفسير الرازي — صفحة 60 | فخر الدين الرازي