تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله ، بيّن أنه تعالى قيض إنساناً أجنبياً غير موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة واجتهد في إزالة ذلك الشر . يقول منصف هذا الكتاب رحمه الله ، ولقد جربت في أحوال نفسي أنه كلما قصدني شرير بشر ولم أتعرض له وأكتفي بتفويض ذلك الأمر إلى الله ، فإنه سبحانه يقيض أقواماً لا أعرفهم البتة ، يبالغون في دفع ذلك الشر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في ذلك الرجل الذي كان من آل فرعون ، فقيل إنه كان ابن عم لله ، وكان جارياً مجرى ولي العهد ومجرى صاحب الشرطة ، وقيل كان قبطياً من آل فرعون وما كان من أقاربه ، وقيل إنه كان من بني إسرائيل ، والقول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة قال تعالى : * ( إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) * ( القمر : 34 ) وعن رسول الله أنه قال : " الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل ياسين ، ومؤمن آل فرعون الذي قال : * ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ) * والثالث علي بن أبي طالب وهو أفضلهم " وعن جعفر بن محمد أنه قال : كان أبو بكر خيراً من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه وقال أبو بكر جهاراً * ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ) * فكان ذلك سراً وهذا كان جهاراً . المسألة الثانية : لفظ من في قوله * ( من آل فرعون ) * يجوز أن يكون متعلقاً بقوله * ( مؤمن ) * أي كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله * ( يكتم إيمانه ) * والتقدير رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون ، وقيل إن هذا الاحتمال غير جائز لأنه يقال كتمت من فلان كذا ، إنما يقال كتمته كذا قال تعالى : * ( ولا يكتمون الله حديثاً ) * ( النساء : 42 ) . المسألة الثالثة : رجل مؤمن الأكثرون قرأوا بضم الجيم وقرئ رجل بكسر الجيم كما يقال عضد في عضد . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ) * استفهام على سبيل الإنكار ، وقد ذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الاستنكار ، وذلك لأنه ما زاد على أن قال : * ( ربي الله ) * وجاء بالبينات وذلك لا يوجب القتل البتة وقوله * ( وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) * يحتمل وجهين الأول : أن قوله * ( ربي الله ) * إشارة إلى التوحيد ، وقوله * ( وقد جاءكم بالبينات ) * إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد ، وهو قوله في سورة طه * ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) * وقوله في سورة الشعراء * ( رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) * إلى آخر الآيات ، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية في أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على طريقة التقسيم ، فقال إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم ، فثبت أن على كلا التقديرين كان الأولى إبقاؤه حياً .
تفسير الرازي — صفحة 57 | فخر الدين الرازي